Wednesday, December 2, 2009

قصيدة رحيل - مظفر النواب




مظفر النواب

رحيل


يا وحشـةَ الطرقات
لا خبر يجيء من العراق
ولا نديم يُسكر الليل الطويل
مضـت السنين بدون معنى
يا ضياعي
تعصف الصحرا وقد ضل الدليل
لم يبق لي من صحب قافلتي سوى ظلي
وأخشى أن يفارقني
وإن بقي القليل
هل كان عدلٌ أن يطول بي السُّرى
وتظلُّ تنأى أيها الوطن الرحيل
كأن قصدي المستحيل
نفثت بي الأحزان كل سمومها
فرفعت رأسي للسماء صلابة
ورسمت رغم السم
من عودي لها ظلاً ظليل
وتحاول الأيام
مما جرعتني اليأس
ثم هضمته أملاً
تضاعف جرعتي
فأضاعف الصبر الجميل
إني أرى يوم انتصار الناس
رغم صعوبة الرؤيا
وأسمع من هتافي في الشوارع
سيما في ساحة التحرير
نخبك يا عراق
وليس ذي أمل كليل

Monday, September 21, 2009

تغييب مظفر النواب ... أ.د عادل الأسطة

د.عادل الأسطة
كاتب عربي من فلسطين (جامعة النجاح الوطنية)
مجلة كنعان، عدد 99، تشرين ثاني/1999




لا تدعي هذه المقالة التي أتي فيها على ظاهرة تغييب النواب عن الدراسات النقدية التي تناولت الشعر العربي الحديث وبعض موضوعاته , لا تدعي الإحاطة والشمول . إنها تلقي نظرة على دراسات دارسين بارزين لهم باعٌ في دراسة حركة الشعر العربي أو دراسة بعض موضوعاته .
و تثير المقالة بعض التساؤلات حول سر هذا التغييب . و هي لا تطمح إلى أكثر من ذلك , والى لفت أنظار الدارسين إلى ما يشوب دراساتهم من اغفالٍ , بوعيٍ أو دون وعي , بحسن نيةٍ أو سوء نية , لأمر يدركونه أو لأسباب خارجة عن إرادتهم .

كان مظفر النواب وما زال , يشكلُ ظاهرة شعرية فريدةً في الشعر العربي المعاصر , ولا أظنُ أنَّ هناكَ شاعراً آخرَ , في تاريخ الشعر العربي كله منذ امرئ القيس حتى محمود درويش يشبه صوته ؛ صوت مظفر في فرادته واختلافه , وان تشابه صوته أحيانا و أصوات شعراء المعارضة والاحتجاج مثل ابن مفرغ الحميري وأبي الطيب المتنبي وبشار بن برد . يتشابه صوته الشعري وأصوات هؤلاء ولكنه يختلف عنهم في أنه ؛ في هجائه ؛ بلغ مدى لم يبلغه أي منهم في حدود ما اعرف , ويختلف عن بعض هؤلاء , في أنهُ - حتى الآن - لم يمدح حاكما من الحكام . ولئن كان مظفر يستعيرُ من المتنبي مفرداته القاسية لهجاء الحكام ليهجوَ بها الحكام المعاصرين , فإنه ينميها ويزيد عليها , وفي الوقت نفسه لا يمدح هؤلاء إن وعدوه ببعض العطايا .

والذي لا شك فيه هو أن مظفرا ليس شاعر هجاء وحسب , فأشعاره لا تخلو من قصائدٍ يتغزل فيها بالخمر , وأخرى يعبر فيها عن حبه لهذه المدينة أو تلك . وهو فوق هذا ذو خيال شعري يضاهي خيالَ كبارِ شعراءِ العربيةِ المعاصرينَ , إذ غالبا ما يلجأُ إلى التعبير من خلال الصورة , أو من خلال استعارةِ رموزٍ تاريخيةٍ لها في الواقع المعاصرِ ما يشبهها تجربة أو سلوكا , وهو في هذا يبتعدُ عن المباشرة في القول , ويُغني نصه الشعري ليصبحَ من النصوصِ الممتلئةِ التي يقفُ أمامها المرءُ طويلا ؛ ويقول فيها الشيء الكثير . و إذا ما التفتنا إلى لغته وجدنا أنفسنا أمام لغة شاعر قرأ تراثه و تأثرَ بِه وكتب بلغة على قدرٍ من الفصاحةِ حتى ليَجِدُ فيها القارئُ - غيرَ المطلعِ جيدا على التراث ؛ لغة لا تخلو من صعوبة .

وعلى الرغم من أن مظفرا واحدٌ من أكبر شعراء العرب المعاصرين إلا أنه أكثر شاعر مغيّب في الدراسات التي تناولت الشعرَ العربي المعاصر , تماما كما أنه مغيّبٌ عن المختاراتِ الشعرية العربيةِ المعاصرةِ , ويُلاحظ الشيءُ نفسه أيضا مع كتب السير والسير الذاتية , حيثُ لم يرد – في أكثر هذه – نبذةٌ عن حياته تُعَرِفُ به .

و يتساءلُ المرءُ عن سرِ هذا التّغَيُّب , أيعودَ مثلا إلى قسوة الشاعرِ في نصوصه على الأنظمة العربية و هجائها هجاءٌ مرا دفعها إلى تغييب نصوصه في بلدانها ؟ ونحنُ نعرفُ أن أشعار الشاعر مطبوعةً غير متوفرة في كثير من البلدان العربية , وقد صدرت في بيروت والأرض المحتلة وليبيا وباريس ولندن . وما من شك في أن الأسباب المفترضة الأخرى متعلقة في السبب المذكور . فالأكاديميون والمثقفون الذين يوجدون في هذا البلد العربي أو ذاك , لا يجرؤون عن الكتابة عن شاعر هجا الحاكم , فكتابتهم قد تكلفهم أشياءَ كثيرة ؛ أقلها المساءلة عن السبب الذي حدا بهم إلى اختيار هذا الشاعر للكتابة عنه .

إن نظرةً على المجلات العراقية الصادرة – منذ بزغَ نجمُ هذا الشاعر , تُري كم هو مُغَيَّبٌ عنها ؛ ولكن المرء لا يفاجأ , فالنواب شاعر معارضة , وكان ينتمي إلى الحزب الشيوعي الذي كان على خلاف مع حزب البعث , ولم يكن – أي النواب – يتوانى لحظةً واحدة في هجاء الخصوم , وحزب البعث تحديدا , وهناك مقاطع عديدة في شعره يبدو فيها هجومه العنيفَ على الحزب المذكور الذي قال بالوحدة وأضاف القطرية ذيلا قبليا , بل إنه ذكر بعض القادة تصريحا , ومن لم يصرح باسمه لمح إليه بمفردات تغني عن التصريح . و لكن المرء يفاجأ حين يلقي نظرة على مجلة " فصول المصرية " , وبالتحديد على أعدادها التي تناولت الشعر العربي المعاصر , أو تلك التي خصصتها للرموز الشعرية العربية مثل : شوقي وحافظ وصلاح عبد الصبور , ف " فصول " لم تدرج أيه دراسة تختص بالنواب , والسؤال الذي يثيره الدارس هوَ : أيعودُ السبب إلى الدارسين أنفسهم أم إلى هيئة تحرير المجلة ؟ , وهل امتنعت الأخيرة عن نشر دراسات وصلت إليها أم أن أي دارس لم يخص النواب منذ عام 1980 بأية دراسة ؟ , أو أن الدارسين تبنوا رأي الشاعر مريد البرغوثي الذي قاله مؤخرا في نابلس , وهو رأي يرى في النواب " شاعرا عابرا أو شاعر مرحلة و شاعر موضة " ؟ .
سوف أشير إلى بعض الدراسات التي تناولت حركة الشعر العربي المعاصر , وأتوقف أمام بعض جوانبها وأشير إلى قصائد مظفر النواب , لأوضحَ أن ما صدر عنه لا يقل قيمة عما صدر عن غيره , وأن إهماله لم يكن لقزامة مكانته الشعرية , وسوف أشير أيضا إلى بعض المختارات الشعرية وبعض المعاجم الأدبية أو الشعرية لأوضح الغبنَ الذي لحق بالشاعر .



أولا : دراسات لم يؤتَ فيها على ذكر النواب :

الدراسة الأولى التي أرغب في الإتيان عليها هي دراسة الدكتور احسان عباس " اتجاهات الشعر العربي المعاصر " ( 1977 ط 1 – 1992 ط 2 – 2001 ط 3 ) . والدكتور عباس أحد أبرز دارسي الشعر العربي قديمه وحديثه , وله باع طويل في التأليف , وهذا ما لا يخفى على أي دارس . وهوَ , بالإضافة إلى قراءاته الطويلة , التقى – بحكم إقامته ؛ سابقا – في بيروت وتدريسه في الجامعة الأمريكية فيها , بالعديد من الشعراء , ولا أظن أنه فوّت على نفسه الذهاب إلى أمسيات الشعراء , حين كان هؤلاء يزورون بيروت ليلقوا قصائدهم فيها .

وقد تشكل كتاب الدكتور عباس من : تمهيد و ثمانية فصول وملحق , ألقى في الأول نظرة تاريخية موجزة , وعالج في الثاني دلالة البواكير الأولى وتحدث في الثالث عن العوامل التي تحدد الاتجاهات الشعرية وعالج في بقية الفصول موقف الشعراء من الزمن والمدينة و التراث و الحب والمجتمع , و ضم الملحق قصائد لنازك الملائكة والسياب و البياتي و القاسم وخليل حاوي و ادونيس , و أشار في ملحقه إلى أنه ليس مختارات من الشعر المعاصر , وإنما يضم بعض القصائد التي وقف عندها , حتى يستطيعَ القارئ , أن يربط بينها وبين ما قاله عنها في متن الكتاب .

وقد خلت الدراسة من تناول النواب أو التمثيل بشعره . فهل اكتفى عباس بثلاثة شعراء عراقيين هم البياتي والسياب والملائكة ؟ , إن قراءة الكتاب تشير إلى انه أتى على غيرهم مثل حميد سعيد , والسؤال الذي يثار هنا هوَ : لماذا لم يأت د.عباس على شعر مظفر النواب ؟ أيعودُ ذلك إلى أنه لا يرى فيه شاعرا كبيرا ؟ أم انه رأى في الإتيان على شعر النواب مجازفة خطرة , قد تسبب له – وهو الأكاديمي الذي لا يرى في ذاته عقائديا يلتزم بأيديولوجية ما تحتم عليه اتخاذ موقف حاد يترتب عليه إشكالات ما - تسبب له إشكالات عديدة ؟

طبعا علينا أن لا نغفل اللحظة الزمنية التي أنجز فيها عباس دراسته – أي عام 1977 – ولم يكن تاريخ النواب الشعري مساويا لتاريخ أولئك الذين درسهم , فقد بدأ الثلاثة المذكورون كتابتهم الشعر , قبل أن يصبح النواب شاعرا , بعشرين عاما . ربما يكون هذا سببا , ولكن علينا في المقابل ألا ننسى أن النواب لفت الأنظار إليه منذ كتب قصيدته الأولى عام 1969 , وأنه أصبح في أوائل السبعينات الشاعر الأخطر في حركة الشعر العربي , وقد صدرت له في هذه الأثناء مجموعة " وتريات ليلية " , وكانت بيروت هي الحاضنة لها , فهل غابت عن الدكتور عباس ؟!

وما ليس الشك فيه أن الموضوعات التي أتى عليها المؤلف كانت ذات حضور في أشعار النواب , وإتيان هذا على القدس وتصويرها على أنها عروس مغتصبة اشتهر أكثر من اشتهار المقطع الذي استشهد به د.عباس لحميد سعيد . وهنا نأتي على التساؤل الثاني : لعل المؤلف رأى في مقطع النواب مقطعا خطيرا والاستشهاد به يشكل مجازفة خطرة قد تمنع الكتاب الذي صدر في الكويت من رؤية النور ومن دخول أكثر البلدان العربية , وقد يترتب على هذا اشكالات تمس الدكتور عباس نفسه , فيمنع بدوره من دخول بعض الأقطار العربية . و أرى أيضا أن موقف النواب من المدينة ومن التراث برز في أشعاره , حتى عام 1977 , بروزا لافتا للنظر , بروزا يضاهي بروز الموضوعين في أشعار الشعراء الذين استشهد المؤلف بقصائدهم , إن لم يفق النواب الآخرين , في هذا الجانب . و " قراءة في دفتر المطر " ( 1969 ) , و "وتريات ليلية" ( 1973 ) يعدان مثالا جيدا .

الدراسة الثانية التي تجدر إليها دراسة د.علي عشري زايد " استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر " – ( 1977 ط1 – 1997 ط 2 ) و تُظهر لنا نظرة على فهرس الشعراء والقصائد المعاينة ( ص 296 – ص 307 ) غياب اسم النواب نهائيا , فلم تعاين قصائده التي نشرت في الصحف والمجلات . ولعل الدكتور زايد , حين يقرأ النواب يدرك أنه تجاوز شاعرا كان له في توظيف التراث باع طويل , وكان له منه – أي التراث – موقف يستوقف الدارس . و لا نريد أن نظلم الدارس فقد اعتمد في دراسته على نصوص صدر أكثرها قبل عام 1972 , ولم يكن اسم النواب في حينه , شائعا . غير أن ما يلفت النظر هو أن الدارس في طبعته الثانية ( 1997 ) لم يجر أي تغيير , وبالتالي فلم يذكر النواب إطلاقا . و هنا يمكن الإشارة إلى دراسة د.خالد الكركي في هذا المجال , لقد أتى في كتابه " الرموز التراثية في الشعر العربي الحديث " ( 1989 ) على ذكر مظفر , ولكنه لم يوضح إن كان توظيف النواب للتراث توظيفا جزئيا أو كليا , لقد كتب الكركي عن النواب في أثناء الكتابة عن استحضار الرموز التراثية الثائرة " الأفراد الثوار " , ومع أن المؤلف اعتمد على ديوانين للشاعر هما " وتريات ليلية " و " أربع قصائد " , وهما مجموعتان تحفلان بالرموز التراثية إلا أنه لم يورد الكثير عن هذا الجانب في أشعار النواب . و يتساءل المرء هنا عن السبب : أيعودُ إلى طبيعة دراسة المؤلف التي تأتي على هذه الظاهرة ظاهرة توظيف الرموز التراثية , بشكل عام , وأنه لم يدرس نصا واحدا دراسة تحليلية مفصلة ؟ , أم يعود السبب إلى أن الكركي أراد أن يقدم لنا دليلا على جرأته التي لم تبلغ مداها ؟ أم أنه أراد أن يقول – بطريقة غير مباشرة – إن ثمة حرية في الأردن , و ها أنا أتناول شاعرا هجا النظام في شخص رأسه الأول ؟

في كتابه " جدل الحداثة في الشعر " (1985 ) يتناول المؤلف وفيق خنسة النواب لينتقص منه . لقد صدّر هذا الشاعر السوري كتابه بمقولات لماركس ولينين و الشيوعي اللبناني محمد دكروب , وتناول مفهوم الحداثة و درس شعراء عديدين منهم أحمد عبد المعطي حجازي و عبد العزيز المقالح و محمد الفيتوري وأدونيس . ومن المؤكد أن المرء لا يفاجأ بأحكام الشاعر , فما دام مؤيدا لأحزاب شيوعية عربية , وما دام معجبا بأدونيس إعجابا كبيرا عبر عنه بالعبارات التالية :
" أن تقرأ أدونيس يعني أن تتهيأ لأنك مدعو لطقس جديد ... أنت مطالب بكل الحضور وكل التذوق وكل الإقبال في احفال بهي للعقيدة .. أنت لا تستطيع أن تقرأ أدونيس وأنت تدير ظهرك للكيمياء , لأن الجمالية لدى ادونيس تتأسس على انفتاح اللغة الشعرية , على خلع أبواب القابلية .. " ( 125 ) .

فإن المرء لا يفاجأ وهو يقرأ التالي عن النواب :
" إن وتريات ليلية نهاية منهج شعري وقمته بآن واحد , ولكن هذا الاتجاه خرب جمالية القصيدة , وهدر الكثير من موهبة الشاعر دون مقابل " ( ص 43 ) .

ويعقب على مقطع النواب :
" يا حكاما مهزومين
ويا جمهورا مهزوما ..
ما أوسخنا ..
لا أستثني أحدا "
قائلا : " بوضوح هذا الكلام ليس شعرا , انه شتائم رخيصة وسوقية " ( ص 42 ) , ويتساءل المؤلف قائلا : " ترى هل صحيح أننا وسخون , أبناء الأعداء , بدءا بالثورة الفلسطينية , وانتهاء بالثوار الذين يسقطون شهداءً بالعشرات كل يوم في الوطن العربي ؟" ( ص 42 ) .

و على الرغم من أن النواب كتب الوتريات ما بين ( 72 - 1975 ) , وعلى الرغم من انه كتب بعدها قصائد يمجد فيها الفدائي , مثل قصيدة تل الزعتر , التي يخاطب فيها الحكام :
" أتحدى أن يرفع أحد منكم عينيه أمام حذاء فدائي يا قردة .. "
إلا أن الخنسة لم يشر إلى هذا التغير في موقف النواب . إن بحث المؤلف عن جمالية القصيدة وحداثتها جعله يثمن دور ادونيس هذا التثمين , وحتى لا يشتم بأنه رجعي صدّر كتابه بعبارة لينين :
" حتى نستطيع تقريب الفن من الشعب , و تقريب الشعب من الفن , ينبغي علينا , في البداية , رفع المستوى التعليمي والثقافي العام " ( ص 7 ) . ونزول النواب إلى مستوى الجماهير , وكتابته شعرا ينتقل فيه الشاعر مباشرة إلى : نثرية هي أقل جمالا من الصياغة الصحفية اليومية " , هو ما جعل منه في نظر المؤلف , نهاية مرحلة شعرية في آن , ولم يتساءل الدارس لماذا تمنع الأنظمة العربية أشعار مظفر ولا تمنع أشعار أدونيس التي ترحب بها ؟ ولا أريد أن أقدم على هذا السؤال , السؤال التالي : لماذا تصغي الجماهير إلى مظفر ولا تقرأ أشعار ادونيس ؟ ولا شك أن الخنسة سيجيب : اقرأ مقولة " لينين " التي صُدِّر بها الكتاب .

دراسة أخرى أرغب في الإتيان عليها , هي دراسة الدكتور خالد الكركي " حماسة الشهداء : رؤية الشهادة والشهيد في الشعر العربي الحديث دراسة ومختارات " ( 1998 ) .
يُعد هذا الكتاب أطول دراسة درست موضوع الشهادة والشهيد في الشعر العربي الحديث , وهو أيضا أحدثها ؛ أحدث الدراسات . وليس هناك تاريخ يوضح متى بدأ الدارس في انجاز دراسته التي قدم لها د.احسان عباس في كانون الثاني 1998 , أي أنها كانت أُنجزت في عام 1997 , وقبل هذا العام بعام , صدرت من لندن , الأعمال الكاملة لمظفر النواب , وقد خلت قائمة مراجع الكتاب من الإشارة إليها , وهذا يعني أن المؤلف لم يطلع عليها , وان كان أتى بإيجاز على موضوع الشهيد في أشعار مظفر , معتمدا على بعض القصائد التي وردت كتاب باقر ياسين " مظفر النواب : حياته وشعره " ( 1988 ) . وفي العودة إلى كتاب د.الكركي " الرموز التراثية العربية في الشعر العربي الحديث " ( 1989 ) , نلحظ أنه يمتلك " وتريات ليلية " و"أربع قصائد " , وهما مجموعتان تخلوان عموما من قصائد رثى فيها الشاعر الشهداء . وعليه فإن المرء , للوهلة الأولى , يتجاوز إهمال المؤلف لدراسة قصائد النواب التي خصصت للشهداء . وحين يمعن المرء النظر في كتاب باقر ياسين , ويقرأ الملحق الخاص الذي أفرده المؤلف لبعض قصائد النواب , يستغرب المرء لماذا لم يورد الدارس إحدى هاتين في الملحق الذي اتبع فيه دراسته , ولماذا لم يقف أمامهما , أبضا , وقفة متأنية ؟ , وما أراه هو أن صورة الشهيد في أشعار مظفر النواب تحتاج - بعد إلى إصدار أعماله الكاملة - إلى دراسة . فأعماله تضم العديد من القصائد التي رثى فيها الشهداء , وتقدم صورة تبدو - إلى حد ما -مختلفة , وربما تبدو على قدر من المبالغة التي ينفر منها بعض المسلمين .

يختار الدكتور صلاح فضل في كتابه " أساليب الشعرية المعاصرة " , يختار شعراء مشهورين ليدرس بعض قصائدهم , يختار أدونيس ونزار قباني و محمود درويش وسعدي يوسف والسياب و الماغوط وعفيفي مطر والبياتي وصلاح عبد الصبور . وتمثيل شعراء العراق كما هو واضح , تمثيل جيد , ويقر المؤلف بأن رضا الشعراء غاية لا يمكن أن تنال , وكان اختياره للشعراء عائدا إلى ما يمتاز به كل واحد من المدروسين , فلكل منهم نهج ما يجمع ما بين التعبير والتجريد .
وإذا أتينا على دراسات بعض الدارسين العراقيين , ألفينا بعضهم لا يشير إليه , في حين يقر آخرون بشاعريته وتميزه .

يخلو كتاب حاتم الصكر " كتابة الذات : دراسات في وقائعية الشعر " ( 1994) من أية إشارة للنواب . وربما يعود السبب في ذلك إلى أن الصكر الذي نشر كتابه في الأردن ما يزال يقيم في بغداد , وبالتالي فإن موقعه يؤثر على موقفه . والنواب , كما تعرف , شخص غير مرغوب فيه في العراق . حقا إن الصكر كتب عن البياتي , وهذا أيضا لم يُقِم , منذ فترة طويلة في العراق , إلا أننا نعرف , من خلال قراءة شعر النواب والبياتي , أن ثمة فارقا بينهما في نغمة الخطاب ومباشرة القصائد وابتعادها عن المباشرة . ويرى د. علي جعفر العلاق في كتابه : "الشعر والتلقي " ( 1997
) أن النواب : "يُعتبر بنبرته الحارة ولغته الواخزة , واحدا من الأصوات الشعرية المتميزة في الشعر العراقي الحديث " ( ص 28 ) . ولكنه يرى أن مجد النواب الحقيقي " يكمن , ربما , في أرض أخرى : القصيدة العامية " (ص 28 ) . ولا يفرد العلاق صفحات يدرس فيها أشعار النواب ويوضح ما ذهب إليه . إنه يكتفي بالإشارة إليه في فقرة لا تتجاوز عشرة أسطر .

وكما أشرت في التمهيد , فإن هذه المقالة لا تدعي الإحاطة والشمول . إنها ليست أكثر من مدخل لظاهرة تعامل الدارسين مع شاعر شكل علامة بارزة من علامات الشعر العربي في الثلاثين سنة الأخيرة . وبقي أن أشير هنا إلى كتابين صدرا عن النواب من دمشق وهما : كتاب باقر ياسين " مظفر النواب حياته وشعره " ( 1988) , وكتاب عبد القادر الحسيني وهاني الخير " مظفر النواب شاعر المعارضة السياسية " ( 1996 ) .

ثانيا التغييب عن المختارات وكتب التراجم .

في كتاب " أعلام الأدب العربي المعاصر : سير وسير ذاتية " (1996) , وهو كتاب أعده الأب روبرت .ب.كامبل اليسوعي سيّر ل 380 أديبا عربيا معاصرا , ليس النواب واحدا منهم , وربما يكمن سبب استبعاده في أنه نشر أشعاره في كراسات و نشرات متفرقة , فلم تكن أعماله الكاملة , في أثناء إعداد الكتاب الضخم , قد صدرت . ولعل الإشارة التي صدر بها المشرف على الكتاب كتابه تعفينا من محاكمته واتهامه بالتحيز " فلم نلتفت عند الاختيار إلا لما ظهر في كتاب مطبوع , دون المقالات المنفردة أو المراجعات أو الكراسات التي نشرت متفرقة , إلا إذا أعيد طبعها مجموعة في كتاب " ( ص 8 و 9 ) .

ولا أرى د.ميشال خليل جحا - فيما ذهب إليه في كتابه " الشعر العربي الحديث من أحمد شوقي إلى محمود درويش " ( 1999 ) - محقا حين كتب واقفا أمام كتاب كامبل اليسوعي :
" فكيف يسمح شخص ( أجنبي ) لنفسه بأن يتناول الأدباء والشعراء العرب المعاصرين , في كل البلدان العربية ؟! فهل باستطاعته أن يطلع على جميع هؤلاء في دنيا العرب ؟! وهل يستطيع شخص فرد , مهما أوتي من خبرة ومعرفة واطلاع , أن يدعي معرفة كل الأدباء والشعراء في اليمن أو السودان أو موريتانيا مثلا ... ؟! "(ص 7 ) .
ولعل اغفال الأب روبرت كامبل أسماء شعراء مثل صلاح لبكي وبشارة الخوري وشفيق المعلوف والشاعر القروي رشيد سليم هو سبب هذه اللهجة الحادة .

ولم يخل كتاب د.جحا من الكتابة عن النواب وحسب , فلم يدرجه ضمن الشعراء الستة والعشرين المختارين , و إنما قائمة مصادره ومراجعه التي وقعت في خمس عشرة صفحة ( من 493 – 507 ) من أية إشارة للنواب , وحين يبرر اختياره لشعراء عراقيين يكتب : " أما العراق , فإن الشاعر جميل صدقي الزهاوي ( 1863 – 1936 ) ومعروف الرصافي ( 1872 – 1945 ) و أحمد صافي النجفي ( 1895-1977 ) كممثل للشعر السياسي والاجتماعي الذي يصور واقع العراق الحديث . أو بلند الحيدري ( 1916 – 1996 ) الذي فضلت عليه عبد الوهاب البياتي ." ( ص 9 ) .

إن الشعراء الذين اختارهم يمثلون في رأيه " أهم وأبرز شعراء الطبقة الأولى من المعاصرين في العالم العربي , والأكثر تمثيلا لطبقتهم " ( ص 8 ) .

وإذا ما ألقينا نظرة على معجم البابطين الشعري ( 1995 ) لاحظنا أن النواب كان غائبا عنه . ولعل المرء يتساءل عن السبب أيعود إلى المشرفين على المعجم أم يعود إلى النواب نفسه !!
ولا أريد أن أجازف وأتعجل القول , فلربما يكون النواب نفسه عزف عن المشاركة في المعجم .

لم يغب النواب عن السير الذاتية أو المعاجم الشعرية وحسب , بل غاب أيضا عن المختارات الشعرية التي اشرف على انجازها بعض الدارسين العرب , ومع أنني غير مطلع على المختارات جميعها إلا أنني أعطي مثلا على ذلك . أصدر الأديب التونسي محمد علي اليوسفي كتابا عن الانتفاضة عنوانه " أبجدية الحجارة " ( 1990) , ويضم الكتاب العديد من المقالات الأدبية وقصائد لشعراء عرب وعالميين , ولكنه لم يدرج قصيدة مظفر النواب " عرس الانتفاضة " التي صدرت , ابتداء , في كراس ثم ظهرت في أعماله الكاملة . حقا إن الناشر كتب في المقدمة أن المختارات تقدم عينات كافية , وأن جهده " لا يطمح أساسا إلى حصر كل ما كتب من نصوص , بمقدار توجهه إلى رصد ظاهرة متأنية من فعل الواقع المحتدم في الشاعر ..." ( ص 5 وما بعدها ) . إلا أن الأسماء التي احتفل بها وأدرجت لها نصوص شعرية لم تقدم جميعها نصوصا شعرية متميزة تفوق نص النواب .

بقي أن أشير إلى ن إنصاف النواب دراسة وطباعة أعمال إنما تم في الأرض العربية الخارجة عن سلطة النظام العربي , باستثناء النظام السوري والليبي , فقد صدر عنه في سوريا كتابان ( 1988) و ( 1996 ) , وأذيعت قصائده من ليبيا مرارا , واحتفل به الفلسطينيون احتفالا يوازي بقضيتهم .

آمل أن تكون هذه المقالة التي لا تدعي الإحاطة والشمول لفتة , ولو بسيطة وعابرة , للانتباه إلى هذا الشاعر الذي سيشغل شعره الناس , ذات نهار , كما شغلهم شعر المتنبي .

تاريخ انجاز المقالة : تشرين ثان عام 1999






المراجع :
1- احسان عباس , اتجاهات الشعر العربي المعاصر , عمان , دار الشروق
2- باقر ياسين , مظفر النواب : حياته وشعره , دمشق , الناشر هو المؤلف , دمشق , 1988
3- حاتم الصكر , كتابة الذات : دراسات في وقائعية الشعر , عمان , دار الشروق , 1994
4- خالد الكركي , الرموز التراثية العربية في الشعر العربي الحديث , بيروت , دار الجيل , 1989 .
5- خالد الكركي , حماسة الشهداء : رؤية الشهادة والشهيد في الشعر العربي الحديث , بيروت , المؤسسة العربية للدراسات والنشر , 1998 .
6- صلاح فضل , أساليب الشعرية المعاصرة , بيروت , دار الأدب , 1995 .
7- عبد القادر الحصيني وهاني الخير , مظفر النواب : شاعر المعارضة السياسية , قراءة في تجربته الشعرية , دمشق , المنارة , 1996
8 – علي جعفر العلاق , الشعر والتلقي , دراسات نقدية , عمان , دار شروق .
9- علي عشري زايد , استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر , الكويت , دار الفكر العربي , 1997 ط 2 , ط1 1977 .
10. محمد علي مقلد , الشعر والصراع الأيديولوجي , بيروت , دار الأدب , 1996 .
11- محمد علي اليوسفي , أبجدية الحجارة , باقة الغربية , منشورات شمس , 1993 ط2 , ط1 1990 .
12 – ميشال خليل جحا , الشعر العربي الحديث من أحمد شوقي إلى محمود درويش , بيروت , دار العودة , 1999 .
13 – وفيق الخنسة , جدل الحداثة في الشعر , بيروت ودمشق , دار الحقائق , 1985 .




Sunday, February 22, 2009

قصيدة المساورة أمام الباب الثاني - مظفر النواب








المساورة أمام الباب الثاني

مظفر النواب


في طريقِ الـلـيل

ضاعَ الحـادثُ الثاني وضاعـتْ زهـرة الـصبار

لا تسـل عـني لـماذا جـنـتي في الـنار

جـنـتي في الـنار

فالـهـوى أسـرار

والـذي يغـضي عـلى جـمر الـغضا أسـرار

يا الـذي تخـفي الـهـوى بالـصبر يا باللّه

كـيف الـنار تخـفي الـنار؟

يا غـريـب الـدار

إنها أقـدار

كـل ما في الـكـون مقـدار وأيـام له

إلا الـهوى

ما يـومه يـوم...ولا مقـداره مقـدار

لـم نـجـد فـيما قـطار الـعـمر

يـدنو مـن بقـايـا الـدرب من ضـوء عـلى شـيء

وقـد ضج الأسى أسـراب

والـهـوى أسـراب

كـنت تـدعـونا وأسـرعـنا

وجـدنا هـذه الـدنيا محطـات بلا ركاب

ثم سافـرنا عـلى أيامـنا أغـراب

لـم يودعـنا بها إلا الـصدى

أو نخـلةٌ تـبكي عـلى الأحـباب

يـا غـريباً يـطرق الأبـواب

والـهـوى أبواب

نحـن من بـاب الـشجى

ذي الـزخـرف الـرمزي والألـغاز والـمغـزى

وما غـنى عـلى أزمانه زرياب

كـلنا قـد تـاب يـوماً

ثم ألـفى نـفـسه

قـد تاب عـما تاب

كـل ما في الـكون أصـحاب وأيام لـه إلا الـهـوى

مـا يـومه يـوم....

ولا أصحـابه أصـحاب

نخـلة في الـزاب

كـان يأتي العـمـر يقـضي صـبـوة فـيها

ويـصغي للأقـاصيص الـتي مـن آخـر الـدنيا

هـنا يفـضي بـها الأعـراب

هـب عـصف الـريح واه يـومه يوما

وانتهى كـل الـذي قـد تـاه مـن دنـيا

ومـن عـمـر ومـن أحـباب

هـاهـنا يـنهـال في صـمت رمـاد الـمـوت

يـخـفي ملـعـب الأتـراب

كم طـرقـنا بابك الـسـري في وجـد وخـوف

لم تجـبـنا

وابـتعـدنا فـرسـخاً هجراً

فألـفـيـناك سـكـراناً جـوابات

فـلم نغـفـر ولـم تـغـفـر كلانا مـدع كـذاب

كـل غـي تـاب

إنـما غـيي وغـي فـيك قـد غابا

وراء الـنرجـس الـمكـتوب لـلغـياب

قـد شـغلـنا لـيلة بالـكـأس

والأخـرى بأخـت الـكـأس

و الـكـاسـات إن صـح الـذي يسـقـيك إياها

لـها أنـسـاب

يـا غريـباً بابه غـرب الحـمى

مـفـتـوحة لـلـربـح والأشـباح والأعـشـاب

قـم بـنا نـفـح الـخـزامى طاب

نـنـتمي لـلـسر

لا تسـل لـماذا ألـف مفـتاح ومفـتاح لهـذي الـباب

لا تسـل

مـن عـادة أن تكـثر الأقـوال

فـيمن ذاق خـمر الـخـمر في الـمحـراب

لـم يـقـع في الـشـك

إلا أنه مـن لـسـعة الأوسـاخ

تـنمـو خـمرة الأعـناب

لم يقـل فـيها جـناسـاً أو طباقـاً إنـما إطـلاق

نـبه الـعـشاق

مـدنـف أودى بلا هـجر ولا وصل بـباب الـطاق

مرهـق من خـرقـة الـدنيا عـلى أكـتافـه

لـم تـسـتر الأشـجـان والأشـواق والإشـراق

لـم يـكـن أغـفى

وحـبات الـندى سـالـت عـلى إغـفائه شـوطاً

ودب الـفجـر في أوصالـه رقـراق

آه مـما فـز من إغـفاءة لم تلـمس الأحـداق

أي طيـر لا يرى إلا بما يـنجـاب عن ترديـده الـبـني

سـعـف الـنخـل والأعـذاق

موغـل في الـسـر مـندس بـنار الـماء في الأعـماق

يا طائـراً يحـكي لـماء أزرق بالـوجد في الأعـماق

ما أبعـد الأعـماق

ما أبعـد الأعـماق

لم يفـق يـوما ولـم يأبه بمـن قـد فـاق

مشـفـق مشـتاق

كـله إطـراق

أثملـت الـخـمر صحـواً

فانـبـرى يـبكي

وأطفال الـزمان الـغـر ضجـوا

حـوله سخـرية في عـالـم الأسـواق

قـل لأهـل الـحي

هـل في الـدور من عـشـق لـهـذا الـمبـتلى تـرياق

نـغـمة في الـعـشـق تـكـفي

نـقـطة تكـفي

فلا تكـثر عـليك الـحـبـر والأوراق

كـل ما في الـكـون تـنقـيط لـه إلا الهـوى

فـاحـذر

فبالـتـنقـيط نهـوي

واسـأل العـشـاق

هـاك كأسـاً لـم يـذقـها شـارب في هـذه الـدنيا

مـوشـاة بحـبات الـنـدى سـلطانها سـلطان

إنـها جـسـر الـدجى في الـمعـبـر الـسـري فـلـتعـبر

ولا تـنصت لـمن أعـياهم الإدراك والإدمان

لـم يكـن إيـوان كـسـرى مثـلما إيـوانها إيـوان

إن كـأس اللّه هـذي مـسكـها ربان

هـذه درب وقـد تفـضي إلى بـوابة الـبـسـتان

إنـما انفـض الـندامى والـمغني

فـاتـئـد في وحـشـتي

يـا آخر الـخلان

Thursday, December 11, 2008

قصيدة بداية الصيف في حجرة بغي عجوز - مظفر النواب







ويمكن الاستماع لقصيدة بداية الصيف في حجرة بغي عجوز وتنزيل الملف الصوتي من هذا الرابط أيضاً


مظفر النواب

بداية الصيف في حجرة بغي عجوز

في الـنوافـذ كان الضحى يتداعى
وكانت خزانتها تشتكي عـرجاً
من هـموم السـنيـن
ومن تركـات الخطايا
تبـخـر وجه الـزبون الأخيـر
وكان عـجـوزا
بـقـايا مـن الأمـس
لـم يـبق فـيه مـن الـشـهـوات سـوى
رجـفـة مـن بقـايا الـبقـايا
لـقـد كان بالأمـس يعـرف حـتى
بـيـوت الـرجال الـبغايا
هي الآن لـم يـبـق منها ســوى
فـخـذ كـالـدجـاج المـريـض
وقــد كـان شـهـوة كـل الـرجـال
ومازال بـعـد سـعـال الـزبـون الـعـجـوز
يـرن كـما جـرس لـحـمار بـعـيد
فـقـد أفـلـس الآن جـداً
وكـم أفـلـسـت مـن قـضايا
عـلى الـحبـل
وهـو طـويـل لـنشـر الفـضائح
كان لـباس ســيخـدش أسـماعـكم ذكـره
كـان يـوماً فـراشـة ليـل تطير
وتـمتص كـل بـريـق المرايا
ولـيس الـسـرير سـوى
بقـع من تـراث الـسـنين
رجـالٌ هـنا سـجدوا
وامتـطـت ظهـرهـم في صباهـا مـطـايا
إنهـا الآن تعـبق مـنها الـثقـوب
كما مـنخـل مـثخـم بالـجـراح
وتنـزف رائحة الـثوم منها
وما ثم تحـت الغـطاء
سـوى كـومـة مـن عـضايا
سـلام عـلى الـشـمس
تـمسـح إثـم الـمـسـاء الـطـويل
وتـدفي العـظام الـرميم
تمطت فـأنّ السـرير
يعـيد إليهـا مـن الأمس
صـوت زبـون فـتي
يـجيء بـيوم مـطير
فـمها الآن يأخـذ أشـكـال مفـزعة
فـهي نامـت بلا جـسـر أسـنانهـا
فـهـو طـوراً يغـور
ويسـحـب خـديـن قـد عـجـفا
من سـنين وطـوراً
يـثور بـرائـحة الـحـزن والـتركـات
ومـدت يـداً مـن مـواجـع عـمياء
تـبحـث عـن جـسـر
أسـنـانـها الـذهـبي الـصغـير
ما الـذي ينفـع الجـسـر
وهـو يـنازع بيـن الـشـهيق وبـين الـزفـير
نـزعـت عـلكـة الأمـس عـنه
أدارت كـما قـطـط الـدرب
فـي شـهـوة أذنـيـها
زبـائـنها هـرمـوا فـي الـمـسـيرات
عـشـريـن عـاماً وهـم يـزعـقـون
يعـيـش الـحـمـار زعـيـم الـحـمـير
قــلـصت عـنقـهـا الـسـلحـفـاتي
واسـتـجـمعت ما بـهـا مـن بـصـاق الـسـنين
وتـفـت عـليهم
فـجاء عـلى ثـوبـهـا الـداخـلـي
الـمعـلق بالـحـبـل
أعـطـاه معـنى مثـيـر
هـا هي الآن هـيكـل مـوت يـدب
أطـلـت عـلى نفـسـها في الـمـرايا
رأتهـم جـميعا بمرآتها
رغـم كـل الـثـياب عـرايا
أزاحـت جـمـيـع صـباغـات
أمـس الـتـي احـتـضـرت
وانـتـقـت أحـمـر الـشـفـتين
وخـطـت وذلـك يـخـدش أسـمـاعـكـم
شـاربـيـن مـن الـبحـر لـلـبحر
فتوق لـباس كـثـير الـثـقـوب
ومـن جـوفـها إسـتفـرغـت مـضـغـتـين
من الـثـوم والـزمـهـرير
شـاربان من الـبحـر لـلبحـر
فـوق لـباس كـثيـر الـثقـوب
كـما وضعـنا الـعربي
كـلام خـطير
واقـشـعـرت صباغـاتهـا
والأثـاث الـذي اسـتهـلـكـته الـليالي
وكان الـزبون الأخـيـر
يـهـرول في ثـوبه خائـفـاً
ربـما يـجـدون ملابـسـه الـداخـلـية
في درجـها وله شـاربان
وقـد يفـحـصون الـسـرير
وكان الـزعـيـق الـحـمـاري
مـازال يـعـلو ويـخـبو
ويـعـلـو ويـخـبـو
ويـخـبـو ويـخـبـو
هي الآن تـغـفـو وقـد أكـملـت سـفـرها
حان وقـت الظـلام الـمـريـح
دعـوها فقـد رسـمت ما يلـيـق بـهم
فـي هـدوء تـنام
فـقـد حـقـقـت سـبقـهـا الـصحـفي الأخـير

Sunday, November 16, 2008

مظفر النواب في مدينة كولون الألمانية

في أمسية احتفالية على شرف الشاعر الكبير مظفر النواب في مدينة كولون الألمانية يوم الأحد 9/11/2008, أقامها الديوان الشرقي الغربي ضمن برنامجه الثقافي, حضر جمهور عراقي من مختلف المشارب الفكرية, ومن مختلف المكونات, اعتزازا بشاعر العراق الذي وظف كل إمكانياته الفنية والفكرية من اجل قضايا وهموم الشعب العراقي وشعوب المنطقة, لما عانته من ظلم عبر حقب زمنية عايشها الشاعر منذ ولادته ولليوم, قادما الى بغداد من جنوب العراق يحمل مفردات الحسجة الجنوبية, مسطرا ابلغ المفردات العربية بكل تعقيدات الفصحة, كما لم يغفل على الجالية العربية أن تتواجد إيمانا منها بشاعر لم ينغلق على هموم شعبه, بل حلق في سماء الثورة الذاتية, لينقلها الى شعوب بأمس الحاجة لمن يتضامن معها ولشاعر يعبر عن همومها وغضبها وخيبتها وأملها الذي لا ينطفئ.
بدأت الأمسية ترحيبا بالشاعر مظفر النواب من قبل السيدة آيار باسم الديوان الشرقي الغربي, ثم فسحت المجال لمنظمة الحزب الشيوعي العراقي للترحيب بصاحب الموقف النضالي الثابت والطويل دون تنازلات ولا مهادنات ولا مجاملات على حساب الفكر وحقوق الفقراء وشغيلة اليد والفكر. ولان الشاعر مظفر النواب قدم الى المانيا لغرض العلاج وبسبب حالته الصحية الصعبة, فقد شارك الشاعر سامي عبد المنعم في قراءة عدد من قصائد النواب, مختتما كل قصيدة باسم أبو عادل إشارة منه الى الشاعر مظفر النواب, وعلى أنغام عود الفنان لطيف الدبو واختياره لعدد من أغاني الشاعر النواب, أضافا جوا من الفن والود والمتعة والإحساس بالشعر والموسيقى.
بسبب الحالة الصحية صعب على النواب أن يشارك في قراءات شعرية من نتاجه الكبير, لكنه قبل أن يضطر الى ترك لم يتردد في تحية الجمهور بقصيدة عبر بها عن حبه لهم, قائلا أنه عندما يذهب الى أمسية شعرية فانه يذهب الى عرس حقيقي, ووعد الحضور عندما تتحسن حالته الصحية لن يبخل على جمهوره بأمسيات شعرية, حينها استغل الإعلامي ملهم الملائكة وتقرب من الشاعر مظفر النواب بهدوء مراعيا حالته الصحية ليطرح سؤاله , هل أنت شيوعيا ؟؟؟
يجيب النواب دون اخذ وقت للتفكير, نعم أنا شيوعي. فانطلق التصفيق في القاعة من كل جانب.
يكمل النواب مستذكرا, عندما كتبت قصيدة الريل وحمد لم انشرها, وقد فوجئت وأنا في الأمانة ( باص النقل في بغداد) بمدينة الاعظمية التي كان سكانها يعتدون على الشيوعيين ويحرمون عليهم دخولها, كان يجلس أمامه اثنين من الشباب يحملان جريدة منشور بها قصيدة الريل وحمد, يقول احدهم للآخر انظر هذه القصيدة كم هي جميلة, فيجيب الآخر بعد قراءتها, إنها فعلا قصيدة جميلة, فيضيف الأول لكن الشاعر ( شيوعي كلب ابن كلب), تعالت الضحكات بين ساخر من الكره الذي يحمله هؤلاء, وآخر خجل لان الفكرة في داخله.
تمنى الجميع الصحة والسلامة للشاعر الكبير مظفر النواب, على أمل لقاءه من جديد شامخا مع قصائده يخشاه الدكتاتوريين

مصدر المقال
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=153047


Wednesday, November 12, 2008

قصيدة أفضحهم - مظفر النواب





ويمكن الاستماع لقصيدة أفضحُهم وتنزيل الملف الصوتي من هذا الرابط أيضاً


مظفر النواب

أفضحُهم

لا تُقهرُ انتفاضتي
وموقعي
في موقعي
ولا أُزاحْ
جهنمُ الحمراءُ
ملىء قبضتي
أوجّهُ الزمان
مثلما توجّهُ السفائنَ، الرياح
أقتلعُ المحتَّل
والمختلَّ بالتطبيع،
والذين مارسوا الزنا،
إنْ علناً
او خيفةً
او بينَ بين!!
هذا حجري يوشكُ بالصباحْ
أفضحُهمْ...
قد غسلوا وجوههمْ ببولهم
بولوا عليهم...
عَلّهُمْ يصحونَ من غبائِهمْ
ولستُ مازحاً
إرادةُ الشعوبِ تكرهُ المزاحْ
قَدْ أذّن الدَمُ الزكيُّ:
أَنْ "محمد الدرةُ" من يؤمُكُم
فيا رجالُ!
يا رجالُ!
وحدوا الصفوف خلفه
حيَّ على السلاحْ.
جئتُ من التاريخ كُلّه
وجاء من فراغِه العَدّوُ
شاهراً فراغهُ..
وعُقمَهُ..
شهرتُ بُندقيتي الشّماء للكفاحْ
لا تُقهرُ انتفاضتي،
وموقعي أدوسُ أنفَ من يشكُ
أنَّ بندقيتي
تُلقحُ الزمان
أشرف اللقاح

Thursday, October 16, 2008

هل عجز الجمهور العربي عن فهم « مظفر النواب» ؟

هل عجز الجمهور العربي عن فهم « مظفر النواب» ؟


الجمعة, 18 يوليو 2008
دمشق - عاصم جمول

شعراء كثيرون مروا على عتبات اللغة العربية، وكثيرون منهم امتلكوا ناصية الشعر عن جدارة، لكن واحداً فقط استطاع أن يقتلع بكلماته الرغبة الدفينة للكثيرين بالتمرد على واقع قاس، لكن ليس بقسوة كلماته، إنه مظفر النواب الذي أطل على الشعر العربي كقاموس تتطاير الكلمات من صفحاته.

كلمات تئن تحت فجاجة الواقع الذي عاشه متمردا على كل تفاصيله، هو يرى باللمس فعلا في وقت سلبوا فيه إمكانية النظر إلا إلى ما يريدون، ولا غضاضة أو ابتعاد عن الواقع حين نقول إن مظفر النواب استطاع أن يسيس أعقد أصناف الشعر العربي فكان بين يديه طيعا طليقا بزخم هائل من المصطلحات الفجة اللينة في آن واحد، ورغم استخدامه لكلمات يمكن وصفها بمعزل عن القصيدة بأنها غير مألوفة في الشعر الحديث، إلا أن توظيفها في حالات انفرد النواب بوصفها، جعلها تفقد تلك الصفة لتكون أبلغ تعبيرا عن المشاعر التي تحملها القصيدة، وفي الوقت الذي يوصف فيه النواب بأنه الشاعر السياسي القاسي، استطاع أن يثبت للغة والجمهور على حد سواء بأنه من شيوخ شعر الغزل، فمن يقرأ قصيدته (لحظة في حمام إمرأة أموية ساخنة) يجد أنه وصف جسد الأنثى بما عجز عنه من اختصوا بهذا النوع من الشعر فكانت الأنثى حاضرة في شعره بشكل عام، كما كانت حاضرة في شعره السياسي المحكي باللهجة العامية ففي قصيدة «البراءة» يبرز النواب الأمهات والأخوات اللواتي يشحذن همم الرجال من خلال نداء رائع يطلقنه لئلا ينخرط رجالهن بما يتعارض مع الواجب الوطني. وامتاز النواب بتصوير هذا الجانب من الحياة العراقية البسيطة التي كانت تعتبر الحزب هو البيت والأب والضامن لكل أشكال الحياة، ويبرز ذلك بشكل جلي حين يقول مظفر عن لسان تلك الأم التي تطلب من ولدها أن يحافظ على وطنه وحزبه:

«أبيض عيونك

..لبن صدري

وسواد عيونك

..الليل اللي عد مهدك قضيته

وأبنك التوّ يناغي الخرز

بالكاروك ياابني

كتلة لا تخاف اليتم جده

اللي ما يشوبو عده

الحزب أبوه الحزب بيته»

يبدو أن مشكلة التواصل مع الجمهور كانت إحدى المشاكل التي أرقته طويلا، نتيجة عدم فهم الجمهور أو ربما عدم تقبله لنمط شعر النواب وأحيانا كثيرة كان يشعر النواب بأنه عدم فهم مقصود، ويتضح أن سوء التواصل هذا كان يسبب حالة من الفوضى في ذهن الشاعر الكبير، ولكن لدى العظماء كثيرا ما تكون هذه الفوضى خلاقة، فعبر مظفر عن ذلك بقوله: ( ألّا أُفهم...تنتابني نكهة حزن، ولكن أشياء كثيرة لا تفهم في هذا الكون...أن يُتقصَّدَ عدم فهمي، فذلك يضع في طريق عشقي للناس حجر )، وربما أتت هذه المقولة بعد أن وُصِفَ النواب من قبل الكثيرين بأنه شاعر السياسة والهجاء اللاذع فقط، ولكن الحقيقة أن النواب ليس شاعرا سياسيا والشعر بحد ذاته هو حالة جمالية تهدف إلى الارتقاء بالإنسان إلى مستوى ذلك الجمال والشعر يتقاطع مع السياسية كما تتقاطع السياسة مع كل شيء بما فيه خبزنا اليومي، إذا فإن مقولة أن النواب هو شاعر الهجاء السياسي فقط هي مقولة بعيدة عن الحقيقة فشعر النواب يحمل كافة أطياف الإبداع الأدبي وخاصة في جانب القصيدة العامية التي امتاز بها عن جدارة.

مظفر والقصيدة العامية

ولكون البيئة التي عاش فيها المراحل الأولى من عمره هي بيئة ذات طابع ريفي فقد كان لها تأثير واضح على البناء الشعري في قصيدته فكان النواب من القلائل الذين وصلوا بالقصيدة العامية إلى حدود الجنون الشعري عن طريق الكلمة السهلة الممتنعة والصور التي تجعل المتلقي يتحسس أبعادها فتعمل على تشغيل مخيلته لالتماس الجمال الكامن فيها وبمستوى لا يقل أبدا عن المستوى الذي كتبه شعراء كبار آخرون في القصيدة الفصيحة الموزونة، إن لم نقل إنها من مستوى شعري أرفع.

ويمكن القول إن النواب استطاع أن يحرر القصيدة الشعبية من القيود التي كانت تحكمها لفترة طويلة وأطلق العنان لمخيلته الشعرية فاستطاع أن يثبت للجميع مقدرة اللهجة المحكية على حياكة القصيدة بما لا يقبل الشك بكونها قصيدة تمتلك من الأهمية ما يكسبها صفة الخلود، وهذا ما دفع الكثيرين من مطربي العراق إلى تلحين قصائده وعلى رأسهم المطرب ياس خضر حين غنى قصيدة «الريل وحمد» تلك القصيدة التي حملت ملامح الريف في جنوب العراق وامتلكت هذه القصيدة من الخصوصية ما جعل الكثيرين يكتبون عنها مثلما فعل الشاعر سعدي يوسف حين قال: ان شعرنا العربي تسيطر عليه الهوية العالمية وهذه القصيدة زهرة نادرة في بستان شعرنا العربي. وهو بهذا المعنى إنما يعتبر هذه القصيدة نقلة نوعية انتقل بها النواب من السياق التقليدي للقصيدة المحكية إلى مناخ جديد انفرد به النواب، وتعود عناصر البيئة والمنزل لتؤكد حضورها في قصيدة «الريل وحمد» حين يقول مظفر في أحد اللقاءات: ثمة عوامل كثيرة أثرت في كتابة هذه القصيدة ومنها ممارستي للرسم، والأجواء العائلية المشبعة بالموسيقى إذ إن والدي كان يعزف على العود، ووالدتي على البيانو، بالإضافة إلى الأجواء الكربلائية. كل هذه العوامل لعبت دورها في تشكيل القصيدة وشكلت عالما مختلفا عن غيره في القصائد العامية الأخرى.

وبكل تأكيد لم تكن قصيدة الريل وحمد هي القصيدة الوحيدة التي لحنت وغنيت فيما بعد فقد غنى المطرب العراقي سعدون جابر قصيدة مو حزن وغيرها، كما غنى فؤاد سالم قصيدة عودتني :

«عودتني

.. انتظر

وارسم على الأيام موعد

كَتلي.. من يعتك جرح.. جرحين

يتلاكًه وجعها …

وعودتني ..

اترك إبيتك

..بطاقة عيد وموعد

واكتب أببابك اذا مسافر

جملتين …

ولكًيتك سافرت

من غير رجعة

وعودتني» .

ولعل اكثر ما يؤكد حضور القصيدة الشعبية وتمكن الجمهور غير العراقي من فهمها أو ربما بذل الجهد لأجل فهمها في كثير من الأحيان «لما تحمله من خصائص ومفردات البيئة العراقية» هو طلب الجمهور لها خلال الأمسيات التي أقامها مظفر النواب في الدول العربية وأذكر مثلا في أمسيته التي أحياها في مكتبة الأسد في دمشق منذ عدة سنوات أن الجمهور السوري كان يطالب النواب بالقصائد العامية مرارا خلال الأمسية وكان واضحا مدى الانسجام معها، ما يؤكد فهم الجمهور لمفردات القصيدة المغرقة في المحلية.

إذاً استطاع مظفر النواب أن يكون لنفسه اتجاها شعريا ومدرسة شعرية خاصة وهذا الاتجاه كان له تأثير كبير على الشعراء الذين لحقوا به وحقق شعبية كبيرة، وكان مظفر أحد الشعراء القلائل الذين ذاع صيتهم قبل أن يصدر لهم ديوان مطبوع فكانت قصائده العامية كالبراءة وسعود والريل وحمد وغيرها الكثير الكثير من القصائد تتناقل بين الأيدي بكثرة وعمد البعض إلى تجميع القصائد التي يلقيها مظفر بصوته ليحفظوها على أشرطة الكاسيت وحققت مبيعات كبيرة في بعض الدول مثل سورية وما تزال تتداول حتى الآن سواء عن طريق الكاسيت أو الأقراص الليزرية المضغوطة مع ازدياد الطلب عليها وخاصة أن العمر والمرض أبعد النواب عن جمهوره منذ فترة لا بأس بها.

مناخات الشعر

وبهذا الخصوص يقول الشاعر السوري علاء الدين عبد المولى في شهادته العابرة في شاعر ليس بعابر: (مظفر النواب شاعر ظُلم كثيرا، وقد ظلم نفسه بيده أحياناً، فيما يتعلق بتأخّره الطويل في نشر أعماله الشعرية بشكل كامل، فالذي يرغب في قراءة الشاعر ليتخذ موقفاً نقدياً لا تكفيه قراءة ديوان«وتريات ليلية» وقصائد متفرقة نشرت هنا أو هناك).

أما الشاعر عبد الكريم الناعم فقد رأى أن الحديث عن النواب سهل وصعب في الوقت ذاته فهو سهل لاتساع مساحته، وصعب لاتساعها أيضا، ويعتبر الناعم من التيار الذي ارتأى أن شهرة النواب جاءت من ارتفاع مستوى الخطاب السياسي في شعره دون أن يغفل وهج ذلك الشعر ورقيه فيقول: (وإذا أردنا الخروج مما يقترب من مناخات الشعر لمناخات الالتفات إلى التفاصيل في اللوحة، فإننا نتوقف أولاً عند مسألة الشهرة والشعر، هذه المسألة، وكما هو معروف، ثمة شعراء كانت لهم من الشهرة ما هو أكبر من حجم ما لهم من الموهبة، وثمة مغبونون، عندهم من الشعر أضعاف أضعاف ما لهم من الشهرة، حتى لكأننا أمام حقيقة أن الشهرة حظ، أما مظفر النواب، فقد نال من الشهرة مجداً يغبطه، أو يحسده عليه الآخرون، بيد أن في شهرته ما هو دون بنائية شعره، ووهج ذلك الشعر، وروحيته، إذ إن شهرته، في قسم منها، انبنت في الغالب، على ارتفاع الموج للخطاب السياسي، وللموقف النضالي المعروف في حياة النواب، ولا غضّ، ولا استصغار، غير أن ذلك طغى، أو سمح بإخفاء ما هو أكثر ألقاً، وحيويةً، وإبداعاً).

المفردة وفهم المواطن

إن مظفر النواب قامة شعرية كبيرة أضفت على الشعر العربي نكهة خاصة وحملت بين طياتها ملامح القصيدة السياسية تارة والقصيدة الشعبية البسيطة المعقدة تارة أخرى واستطاع في أحيان كثيرة أن يجمع بين القصيدتين فحملت القصيدة الشعبية ملامح سياسية واضحة كما في قصيدة «البراءة» كما استطاعت القصيدة السياسية لديه أن تحمل الطابع الشعبي في بعض الأماكن كما في قصيدة الوتريات الليلية بحركاتها الأربع، فكان النواب شاعرا له أبعاده الخاصة وعوالمه الغامضة التي ينقل إلى الجمهور الجزء الخاص منها وحسب رأيه فإن الشاعر الذي لا يستطيع أن ينقل عالمه الخاص إلى الجمهور فهنالك نقص في تجربته الشعرية.

سألته ذات مرة حين التقيته في إحدى الأمسيات في مدينة مصياف السورية أين تجد نفسك أكثر في القصيدة العامية أم في تلك المكتوبة بالفصحى؟ فأجاب وعلى وجهه ابتسامته التي لا تفارقه: لا استطيع أن أفصل بين الاثنتين ففي العامية أستطيع أن أعبر عن هموم الوطن والمواطن بشكل خاص ومن خلالها يمكنني أن أوصل ما أريد إيصاله إلى المواطن العادي عبر مفردات يفهمها أكثر من غيره كما أنني من خلال العامية يمكنني أن أسرح كثيرا في خيالي لأصل إلى حد التماهي مع الجنون الشعري، أما الفصحى فأعبر من خلالها عن قضايا أكبر وأكثر شمولا كالقضايا العربية ومعظم القصائد التي كانت تتناول القضايا الكبرى كانت بالفصحى لما للفصحى من مقدرة على التعبير حين تكون القضية كبيرة.

المصدر:
http://www.awan.com/node/92490

Sunday, September 28, 2008

قصيدة بعـد حفـل عـيـد الاسـتـقلال - مظفر النواب




ويمكن الاستماع لقصيدة بعـد حفـل عـيـد الاسـتـقلال وتنزيل الملف الصوتي من هذا الرابط أيضاً


مظفر النواب

بعـد حفـل عـيـد الاسـتـقلال


الجـو سَـيمـطرُ
والـساحَة تَعْـبـقُ بالـصَّـمْت
وكـلـبٌ في الـزاويـة الـزرقـاء
هـناك يـبـولُ عـلى شـيء
وبقـايا خـُطـَبٍ وشـِعـارات
تـتطايـَر في الـريح
احـتـَفـَلـتْ جـمهـورية صَـمتـسْـتان
الـحُـرة بالاسـتـقلال الـوَطني
بـرغـم تـفـَشّي داء الكـَلب
ولأن الـجـوعَ كـما قـالـوا
في خـطـب الـيـوم تـفـشى
في كـلِّ جـهـات الـدنـيا
صَـدَرَ الـمـَرسـوم بـتأسـيـس
مُـديـرية نـَهـب الـشـَّـعْب
واســتـوردَ بـَعـضُ الـمَسـؤولين
- مـن الـخـارج طـبعاً -
أحـدثَ أجـهـزةٍ في تـفـريخ الـرشـوة
فـَرخـتِ الـرشـوةُ أكـثـر
مـِن كـُل دَجـاج الـكـون
وصَـار الـبعـضُ يـَبـيع الـرَّشـوةَ بالـفـرن
أو الـرشـوة بالـسـيخ
أو بـروســتـِد حـَسـَب الـجـيـْب
صحـفـي أجـرى اسـتفـتاء لـلـناس
وصَـوّرَ مَخـلـوقـاتٍ تـنـتظرُ الـزبـلَ
الـوطنيّ طـَوالَ الـيـومِ لاسـكـاتِ الـجـوع
تـعـَرّضَ لـلـتوبـيخِ مـِن الـهَـيـئاتِ الـدولـية
تحْـديـداً مِـن مَجـلـس أمـن الـسَّـلـب
فـالـمَـجـلس يـَعـمل أن تـتـفـَشى هـذي
الـحالـةُ في جـَمهـوريات الـصّـمت جـَمـيعاً
ويرانا لا نـصلـحُ إلا لـلـكـبّ
يا عـرب الـرّدة يكـفـي
وَصَـلَ الـذلُ إلـى.....!!
لـولا الأخَـوات لـقـلـتُ...

Saturday, September 13, 2008

قصيدة بحار البحارين - مظفر النواب









ويمكن الاستماع لقصيدة بحار البحارين وتنزيل الملف الصوتي من هذا الرابط أيضاً


ألفت انتباهكم إلى أن التسجيل الصوتي يشكل ما يقارب 80 % من القصيدة مكتوبة وأتمنى أن أتمكن من الحصول على تسجيل لباقي القصيدة


بحار البحارين

مقدمة: الحقيقة القصيدة التي ألقيها الآن طويلة، ربما سأحاول أن أنتقل أو أحذف بعض المقاطع، وهي آخر القصائد التي كتبتها في هذه الفترة، ما يجري هناك يصعب التحدث عنه، ما يجري هناك ليس بقضية سياسية فقط، وإنما قضية حضارية أساساً، لذلك التحدث عما يجري في لبنان، في فلسطين، ليس بسهل.
في رموز القصيدة تختلط الذات بالثورة بالمرأة بالشجرة، ذلك لأن النظرة السياسية بالنسبة لي تعني قضية حياتية عامة.



مَلـِكُ العُـمقِ ...
أَزورُ نجـومَ الـبحـرِ.. أُزوِّجُـهـا بنجـومِ الـلـيـل
أطيلُ لـدى مَـوضعِ أسْـرارِ الخَـلقِ زيـاراتـي..
وتـفـتّـَحَ قـَلـبي في الـماء بـكُـل المـِسْـكِ
وأرسَـلـتُ يـديّ إلـى الأعـشـابِ الـمَـسْـكـونـَة
فالـتصـَقَ الشَـبـَقُ الـوردي لـماءِ الـلـيـل علـيهـا
واخـتمـَرتْ لـغةٌ
وتنـفـسَ فيّ الأيـّل
ما أوقـحَ لـذتهُ
يَـبـْني بغـَزَالاتٍ أربعةٍ
يـَنـزعُ عـنهـنَّ ثـيـابَ ربـيعـيـْن
تعـبـتُ... تعـبـتُ... تعبتُ...
قـلـبيَ مُـبتـهجٌ تَعِـبٌ
يا مُـثـقـل بالـمُنـزَلـَقـات
ونـونُ الـنسـوةِ قـد وضعتْ
نقـطتها فـي ليلـكَ فـانـوسـاً
هـاكَ تـلألأ
وأعـد لـلـنُسـوة نـقـطتهـنَّ
تلألأتُ لهـذي الساعـة لـئلاءً حـسـناً
وحـروفُ العـشـقِ عـلى شـفـتي الـسفـلى نائـمةٌ
أخـذتـني الـموجةُ من ثـوب عُـقـوقي
مـَسحـتْ زهـرَ الـرمان وأبقـتـْهُ حـزيـناً
فـي الـماءِ الـبـاردِ خـاض الـطفـلُ بلا صَنـدلهِ
يا موجـة ... أركـضْ...أركـضْ
بيـن الـمُرجان وبين الحـزن
دخـلنـا مَـرحـلـة الأبـوابِ
اصْطـدمـتْ قـدمي بالـبابِ الأبنـوس مـصادفـة
فـطرقـتُ
مَـن الطارقُ؟
ليـس لـديـكَ جـوابُ
أنـتَ تـذوبُ بـصوتـكَ
تطـرق باباً أخـرى من ذات الـخشـبِ المَـدْلـوكِ
بـجـَذبٍ لا تـَعـرفُهُ
مـن أنـتَ..؟ تعلّـمْ أسـلـوبَ الطـَرْقِ وعـُدْ
تعلّـمْ مـن أنتَ
تـثاءَبَ حَـرفٌ لا أعـرفُ قـُدرتهُ
لـقّـحَ ناقـاتِ الـليـل
وراءاتُ أبي صخـر الـهُـذلي تـنام
صَرَفـتـْنيَ أمُّ الأبـواب
وما عـَرَفـتْ قـلبي فـعلاً
لا يـَتصرّف إطـلاقـاً
مـن أنـت...؟ وما قـصة رُوحِـك؟
مـاذا في الـدنـيا الـمَألـوفـَة والأيـام فـَقـَدتَّ؟
ومَـن جـئـتَ تـزورُ؟
أنا...أخـذتـني الـلعثـمةُ الحـُلـوةُ
قـلبيَ كالـعُـشـْبة قـُـدامَ الـمنـْجَـلِ
روحـيَ خائـفـةٌ خـَوفـاً مُـرتفـعاً
قـَدمي حُـزنُ الأسـفـارِ علـيـها لـيـس يـجـفُّ
وحـزبُ الـمخصيـيـنَ يـُطاردني
إبحـثْ يا مـن تـبحـثُ عـن بـابٍ أخـرى
يـورق في الـرفـْـض فـُضولي
وأحـكـَمتِ الأبـوابَ الآلـهةُ الـمسـئولـةُ عـنها
وضـَعـوا شـَـيئـاً خـَلـفَ الأبـوابِ كـذلـك
أرسـلتُ يـديَّ إلى الأعـشابِ الـمـسْـكونةِ
فالـتـَصَقَ الشبقُ الـورديُّ لـماءِ الـليـلِ عـليـها
إيـاكَ وأنـتَ قـليـلُ الـخِـبـرةِ
إن الـطَّرْقَ يـزيـدُ الـبابَ الـمجهـولةَ أبواباً
ومَـفـاتـيحـكَ مِـنْ لـُغةٍ تـُغـلـقُ ما تـَفـتحُهُ
وتصُـدُّ كـما الـمرأةِ عـنـدَ الـماءِ
لـمنْ لا يدخـل بيـنَ حـروفِ مـباهـِجـها
ونظنـكَ من أهـلِ الـحَـدسِ
فـَما تتهـَجى جـَسـَد الـمحـْبـوب
بـل اقـرأ قـاطـِبةً
تلـكَ بنفـسَجَةُ
تلـكَ كـما الـزبدِ الـليليّ تـذوبُ أنـوثـتـُهـا
فـيمن مَـدَّ يـديـه بـمعـرفـةٍ عَـرَفَ العـُمقَ
وزكـَّى الـهمـزةَ بالـبخـورِ ثـلاثاً
حـتى طـردَ الـسحـرَ وأطلـقَ عـُقـدتـَها
بيـنَ أصابـعهِ يـَنمو الـصُبحُ وكمّـونُ الـعـشـقِ
وتكـشفُ نـسـمةُ صُـبحٍ فـَخـذيـهـا
آهٍ...
وتـدوسُ عـلى ريـحانةِ روحـِكَ
آهٍ...آهٍ...لـلوجعِ الـطـيبِ
يا نسـمةُ.. يـا بالغـةَ الـعـفةِ
مِـن أينَ دفعـتِ الـبابَ عـَلى العـاشـقِ
فـالـقـَمـرةُ نائـمةٌ والـعاشـقُ أثـملـهُ الـتفكـيرُ الـخاسِرُ
والـنجـْمةُ تـسـتأذنُ أن تدخـلَ بعـدَ هـَزيعيـْن اثـنـَينِ
فـَما أذِنَ الـبحَّـارُ الـعاشـقُ
فـالـنجـمةُ تحـْملُ فـاكـهَةً
قـالَ الـمُعتـكـفُ الـبحارُ
أنا ما ذقـتُ سـِوى طـَرفِ الـنهـدِ
وصُمـتُ عـن الـمُشـْتهـيات
رَضـعـت الـعَـنـْبر مـِن صَـدْر الـعشـقِ
وأمسـَكـتُ بحَـلـمَتها الـورديةِ في الـليـلِ أؤنـبُـها
امـتلأت كـَفـّاي رَحـيـقَ الـفــُسْـتـقِ
واشــتعـَل الخـُـنـْصُـر
بيـن الـوَرْد وبيـن الـلَّحـن
وبيـن الـلَّحـن وبيـن الـوَرد
احـتـرقَ الـخـُنصـرُ
أَعْـطى ضَـوْءاً عـَربـياً
لــيـسَ لإصـبـعـي الـوسـْـطى فـي الـليـلِ أمـانٌ
وأديـرُ عـلى هـذي الإصـبعِ حـكّام الـردة قـاطِـبةً
سـوفَ أحـَدثـكـُم في الفـَصل الـثـالـثِ عـَن أحـْكام الهـمـزَة
في الـفـَصل الـرابع عـَن حكّام الـردّةِ
أمـا الآن فـَحـانـات الـعالـَمِ فـاتـِرَةٌ
مَلـلٌ يُـشـْبه عـِلكـةَ بـَغي لـَصـقـَته الأيام بـقـَلـبي
يـا ابنَ ذريـحٍ
هـذي الـحانـةُ بـاردةٌ
أوقـِدْ صَـوتـكَ
يرحَـلُ بعـض الإثـم مِـن الـحانـةِ
يـا ابـنَ ذريـحٍ
هـاتِ نـَغـَماً
هـاتِ لـنا بـَعـضَ الـمُـشـْتهـيـات مـنَ الـصـوتِ الـسـابعِ
قـلْ نغـَماً عـُصفـُوراً
قـُلْ نغـَماً سـُرّة أنـثى
قـلْ نغـَماً طـَرقـَة بابٍ مجـهـولٍ
مـن أنـتَ ...؟
نصحـنا أذنـَك أن تـسـْمَعَ
تـلـكَ الأشـْياء المألـوفـَةَ في الـدُنـيا
آلـهـةَ الـمجـْهـُول
أتـيـتُ بآخـِرِ أشـْكـال الـهـمّ
وروحي لََونٌ مكـتـَئبٌ
طـَوقـتُ عـَليه بـزُنار مـراهـِقَة
مـَن يـَطـرقُ ثانـيـة؟
حـَذرناك... فـماذا تـَطـلبُ؟
جـازفـتَ عـلى كلـكٍ لا يـعـبر سـاقـيةً
قـيل تسـفـِّه كـلَّ الـصُلـبان وكـلَّ الأصـنام
رفـَعتَ كـؤوس الـكـفـرِ عـلـيهـا
يـأخـذكَ الـزهـو
وتـرفـعُ إبـريـقَ الـخـمرة في الـهمِّ شـراعاً
كـيـف تـجـرأتَ تـدّقُ عـليـنا في الـليل
فإن الـلذاتِ تـنام وراء الـبابِ بدون ملابـسِـها
ويـسـيل لعابـكَ...
كيف الـلذاتُ تكـون بـدون ملابسـها؟
تـلـتاسُ ... وتـنطق أشـياء مـبهـمةً
وتحـاول أن تخـرج من تـأتـأةٍ في جـِسـمكَ
تعـرقُ جـُدران هـمومـِك
يـَعـرق إظـفـر إبـهامـِك بالـمنـدلِ
توقـدُ عـود الـسُمّاق لـدى فخـذي أنـثى
أسـأم حـُسْن الـلّه عـليها
واجـتمع الـتلقـيحُ فـأعطى إنـشاءً ذهـَبـياً
أوقـَدتَ فـجُـنّ الـحشـَراتُ
وهـاجَ الـموج وقـامَ الـزبد الـفاشـلُ
واضطـربَ الـبيـضُ الفـاسـد
يـا صـاحـِب هـذا الكلـكِ الـمـُتعـبِ
أنـتَ تـسـميه سـفـينة عـشـقٍ
أنّى أوقـدتَ
سَـيفـْقـسُ هـذا الـبيـضُ الفاسـدُ أوسـاخاً مـُقـذعةً
ألـديكَ فـوانـيسٌ ؟
زيـتٌ ما لمسته يـدان؟
روحٌ تـبصِر في الـزمـَن الفـاسـدِ؟
أوقـدَ بحـارُ الـبحـاريـن قـناديـل سـفـينـتهِ
أبقـاهـا خافـتةً
بحـار البحاريـن
ومـن جـَمعَ الـلؤلـؤَ والأضـواءَ وأصـواتِ الـبـحر
بـخـيطٍ لحـبيـبته أبـقـاها خافـتةً
تملـك أحـلى الـهَـمزاتِ حـبيـبتهُ
تملـكُُ أحـلى مـيمٍ أعـرفـُها
ولها جـَسـد مزجَـتهُ الآلـهـةُ الـمَوكولة بالـمَـزج
بكـلِّ عـُطـور الخـَلـقِ
فـمارسَ عـشـقَ الـذات وأربـأ
بالـحـُسْـنِ عـليـها.. ارتـبكتْ
أعـرفُ بحـَّار الـبحـاريـن
ومـَن سـأحـَدثكم عـَن سـيرَته
كان يـُقـاوم أوسـاخـاً مُـمتعـَة
يـسـتمـتع حـَين يـُقـاومها
عـَيناه تألـقـَتا كالـجـَمْر مـِن الـحـُمى
بعـثَ الحـُمى بغلاف مـِن ورق العـشـْق لـبَيتِ حـَبيـبتهِ
وبـيـْتُ حـبيـبـَته في الـشـامِ يقـالُ
قـُربَ الـجـسْر الخـَشَـبي
وبيـتِ عَـلي بن الجـهـْمِ يـُقـالُ
بـرام اللّه يـُقـالُ
قـيل ببابش الـخـَلقِ
وقـيلَ بـتَرْهـونَة أيـضاً
مـَن أنـتَ..؟
وفي هـَذا الـوقـْتِ الـمشـْبوه تـَزورُ؟
أطـرق بحـار البحـارين
وخبأ في الصَّدفِ الـحي حكـايـَته
فـالعُـثّـة في بلـدِ العـسـكرِ
تفـقـِسُ بيـنَ الإنـسـانِ وثـوبِ الـنَومِ وزوجـَتِه
وتقررُ صنـْفَ المـَولودِ
وأيـنَ سـَيكوي ختـمُ الـسـلطـانِ عـلى إلـيـَتهِ
فـَإذا آمـَنَ بـالحـزبِ الـحاكِمِ
فـالـجَـنةُ مـَأواه
وويـْلٌ لـِلمارقِ
فـالأنـظـمةُ الـعـَربية تـشـْنقهُ قـُدام الـفـِنجةِ قـَاطـِبةً
تبقـيهِ لـسـاعـاتٍ
ثـَمةَ تـنسـيقٌ سـِري بـَين فـَنادقـِنا
أحـَدٌ مـِنكم لاحَظ أن الصمـْتَ تـكـاثـرَ والجـرذانَ
وسـَيارات الـشـُرطة تحـَبلُ في الـطـرقـاتِ
بـِشـَكـلٍ لاشـَرعي وسـِخ
هـذا الطقـسُ دنيءٌ جـداً
ولذلـكَ خَـبأ في الـصَدَف الحَي حِـكـايـَته
وأقـام عـلى دولابِ سـفـينـتهِ
عـَيناهُ من الحمى والـحـُزن
تألـقـتا نجـْمـين كئـيـبـَينِ
أرستل تلـكَ الـحـُمى بغـلافِ
مـِن وَرَقِ الحزن لـبيـتِ حـبيـبـَتهِ
جـلسـتْ تغـسـلُ لـلـحـُمى
جـَدلـتْ بالـوَرد وبالـزيـْت الـباردِ
والـنعـناعِ جـديـلـتـَها
سـَمعَ الـجـيـرانُ بكـاءَ الـحـُمَّى في
الـلـيلِ الأول مـِن شـٍٍَعـبان
قـالـوا نغـلـقُ هـَذا الـشـباكَ
ونخـلـصُ مـنْ وجـِعِ الـقـلبِ
لقـَدْ شعـَّفَ كل بـَناتِ الـحيِّ
وكـوَّن مـِن حَـبات الـدَمعِ فـَراشـَات عـَمـياء
وقـُمنَ إلى الـشـُباك مـِنَ الـنـوم وأغـلـقـْنه
ونـون الـنـسـْوةِ ما نامـَتْ أبـَداً
نـُقـطةُ نـونِ الـنسـْوةِ مِـما تـَذرفُ دمـْعاً مُـسـِحَتْ
وأتى الـنـونُ هـِلالاً فـَوقَ الـمَركبِ
كانـتْ ريحٌ قـاصمةٌ
والـمَرقـبُ يـُنـبىء أن الـلـجَّة
سـوفَ تقـومُ عـلى آخـِرهـا
وعَـلى الـدفة كان مَهـيـضاً
في تلـكَ الـليلةِ مِن شـَعـْبانَ
يُقـاومُ أحلاماً سـاطعـةً...يـُغلـِقُ عـَيـنـَيهِ
وأبـوابَ الـروحِ لـشـِدتها
وتـسـاءلَ أيـْن الأرض
وأرسـلَ قـامتهُ الغـَجـَرية بـينَ نـُجـُوم الـلـيْل
وكانَ الـوَشـْم عـَلى رسـْغـَيه يكـَمـِّل عـَقـْد الـنجـْم
تـَطاول أيـْضاً
أيـْنَ تـُريـد؟
فـعـنقـكَ تـَمتـَد بأكـْثـرَ مـِمَّا قـَسـَمَ الله لـها
قـال كـذلـكَ قـَد خـُلقـَتْ
هـَذا منطـِقُ صـُوفي
أيـنَ تـصـوفـْتَ وجـِسـْمـُكَ يَـنضـَحُ لـَذاتٍ خـُضـرٍ؟
تـَسكـتُ
كـيـفَ تخـمـَّرتَ وأنـتَ مـِن الـطـيـنِ الـفـَجِّ
وتعـشـَقُ طـلعَ الـصُّبـحِ
ولا يـُؤنسـك الـليل بلا جـَسـَد
تـترُكه في الـصُبح
تـلوحُ الأغـصانُ عـَليه وبالـضِّـديـْن يـُضيء
تقـُولُ: دَخَـلتُ حـُدوثَ الضـَوْءِ
في الـعام الأولِ كان الـضـَّوءُ الـمألـوفُ
وبعـدُ ..وبعـدُ !
فـي الـعام الـثالـثِ كان الـضوء الـمسْـتور
وبعـدُ...!
وجاء ظـلام أطفـأ كل قـناديـلي حـتى الـمَوروثة
إذ ذاك تـَلـمسـْتُ طـريقي
عـَثـرتْ قـَدماي بمَـنْ عـَلـمَني
صارَ هـو العـَثـْرةُ
ضَـيعْـتُ مـنَ الـعـُمر طويـلاً كي أنهـِضَهُ عَـبـثاً
فـالجـُثةُ كانـَتْ تـتفـسخُ مـِن أيـنَ أرَدتُ أسَـنـِّدهـا
أعَـثـَرتَ بمـَن عـلـمك أل...؟
أسـَفـاهُ نعـَم
كـيـف؟
كـذلـك ... قـال كـذلـك
هـذا طـَبعُ الأشـْياء
وعـنـدَ الأصـْوات الـخـَارقـَة الإيـقـاعِ يـَشـُذُّ
أوحَـشَـني الـدربُ
وأصبحَ صـدريَ مدخـنـةً في مـَطـر
لا يـُنـْبئ عـن صـَحو
غـَرقـَتْ روحي إلا عـُقـدة عـِشـْقٍ
آنَ إذٍ والـمركبُ يوشـك أن يقـطع رحلـتهُ
أبـرَقَ حـَرفٌ مـن تحـت الـباب مَهـيباً
وأطـلَّ الـرأسُ مـن القـَمرة حـول العيـنيـن
من الـصرف ونـَحـْوِ الكـوفـة أشـكالاً
لا الخـط الثـلـث له هـذا الحـسن له
لا الكوفي ولا الـرُقـْعة أيضاً
ورأيـتُ ثـيابَ العـِشـق تضـيقُ عـلى جـَسَـدي
فـتوضأتُ بـماء الـخـَلـق
أخـَذتُ بهـذي القـيثارةِ
دوزنـتُ عـُقـوداً أربـعة
وشـَددتُ عـلى وجـع المفـتاح الخامـس والـسابع
فاعـْترضَ الـنحـْو الـبصْري عـلي
كـذاك اعـترضَ الـنحـْو الـكوفي
وأجـلـسَ مـن لا أعـرفـُه يعـرفُ نـحـْواً في الـشام
دع الـريح تـُهـَدْهـِدُكَ الهـَدْهـَدةَ الأهـْدأ
نـَذْركَ كـان كـثير الـشـَمع الأحـمـر والآس
ومـَرتْ كـل شـموعـِك مـن تحـْتِ الجـسـْر
وأبعـَدتَّ كـثيـراً في البحـر
فأيـنَ الـبَصْـرة؟
آه صحـيحٌ..أين الـبَصْرة؟
الـبَصْرة بالـنـِّياتِ
لقـدْ خـَلـُصَتْ نـياتي حـتى
وتسـلـقَ في الـليل عـَمى الألـوانِ عـَليهـا
أيـنَ الـبَصْرة؟
مشـتاق بوْصَلـتي تـَزْعـَمُ عـِدةَ بـصـْرات
منـذُ شـُهـورٍ قـَلبي لا يفـْرحُ إلا بـين الـنخـْل
أتسـير ببوصَلة؟
حيـن يـكون لذلـكَ فـائـدة
ما دخـت؟
إذا كـنتُ بلا أمـلٍ
يا صاحـبَ هـَذا الكـَلـَكِ الـمتعب
أنـتَ تسـَميه الـمَركـِبَ
لا بأس عـَليكَ تفاءلْ ما شـئت
أطـلـقْ ما تـَرتـاحُ مـنَ الأسـْماء عـَلـيه
وصِيـفٌ وبـَغى مـُتفـقان عـلى نـفـْط الـبصْرة
والـمُتوكل مـشغولٌ عـن ذاك
بشـامـَةِ حـُسْنٍ في خـِصْيـَته
فـَدع الريحَ تهـَدهـِد هـذا الـمَركب شـَيئاً
واسـْترخ فـما تلـك نهـاية هـذا العالـَم
مـُدَّ ذراعَـكَ
فالشـمـْسُ تـُريح الـجـَسَـدَ المكـْدود
تـمـُدُّ مـُرونـَتها فـيهِ
فـَيصـْبح كالـسـَّعـْفة
والـفـُقـَراءُ المخـْلـوقـونَ من الخـِرَقِ
الـلـيلي وخـَوْفِ الـمـُتـَوكل
بالـسـَّعـْف احـتشـَدوا
مـَلـئـوا بابَ الـبصرة بالـسُـلِّ
وقـد أطفـَأ بـردُ الـلـيل قـنـاديل حـماسـَتهم
كان الـسـَّياب مع الأطـفـال يُحـرك سـَعفـَته
انـتـَظروكَ طـَويـلاً
أرهِـمْ أن السـعفـة تـَنـْفعُ
لا بـأس بجـرعة خـَمـرِ
تخـضـرُّ لـها عـينـاك وتـذَّكـَّر
ها أنـتَ مـصـابـيحـُك تـرتعـش
الرعـشـات الـحـُلوة لـلـسـُّكـْر
وتأخـُذُ كامـِلَ قـُوتـِها
مـاذا سـَتخـَبـِّرُنا؟
أرقـُصُ قـَبلَ الـبـَدْء
أريكـم فـَرَحي
هـا إنـّي أرقـُصُ...أضحـَكُ
هـا إنـّي َ.... إنـّيَ
ثـُمَّ يـصـيرُ الـرقـْصُ وقـوراً
قـاومـْتُ جـَمـيعَ الأطـراف
بهـذي الـسعـفة حـتى بـَريَتْ
رفـعـتُ عـَليها الـرايةَ يا صـِبـية
بـين السـُّفـن المخـصِـيةِ
تَحـمُل سـفـوديـن عـظيـمين
ويـفـتح أحـفاد الـبصرة كـُواة الـنورِ عـليك
فـما أجـمل هـذي الأعـْين يا رَبُّ
وعِـقـدان مِن الـقـَهر وأنـْتَ بهـَذا الـبحـْر
أما أكل الـضَّجـَر المالـحُ جـنبـيكَ؟
تمسـَّكـتُ بهـذي السـعـفة
مـن كان لـه سـعفـته في الـليل سـينجـو
اعـتصموا بالـسـعفِ جـمـيعاً
والوحـشـَة يا قـبـطان أجـِبْنا
كـيف قـدرتَ على الـوحـشـَة؟
تـَزْوي عـينـيك قـليلاً
أوقـدتُّ بها عـِشـقَ الـناسِ
وداويـْتُ ظلامي
يا سـيـد في الـبحر العاصـِفِ
هـل أحـبـبتَ كـذلـك
أكـثر مـما في الأرض
وفي الـيوم الـهادئ
تملـكُ أحـلى الهـمـزات
وأحـلى مـيـمٍ أعـْرفـُها
أنـْصتَ أولاد الـوسـخ الـمتـروك إلـيك
فـأنـت تـُعـلـمُ مثـل نـبي
فـإذا أنـت أتـيـت الـبصرة
أنـكـرك الـحـسن الـبصري
فـآه مـما يتقـَلبُ هـَذا الحـسـَنُ الـبصري
وآه مـما كـشـَفـوا فـَخـذيـك وكانا مـبـتهجـين
كـثـور يتفـرغ لـلإتـيان بحـزب الـسُـلـطة
حـتى شـهـقَ الخـلـقُ وزاغَ الـبصرُ
قـيل معـاذ الله فـما هـذا بـشـر
هـذا مـارَسَ كـلَّ فــسـوق
العـالم بالـسُّـلطة قـدامَ الـجـمهـور
وألـَّبَ حـتى الـدرجات الـمنحـطة جـداً
مـولانـا كـان يـُعلـِّم خـارج مـا عـَلـمَهُ الـكُـهان
وسـفـَّه كُـل مـعـابـدنا
يـا حـضـرة حـاكـمـنا
مـشـتـبه يـَعـشـقُ جـسـرَ الكَـرخ الخَـشَـبي
ولا يعـشَـقُ جـســرَ الـدانـوبِ كـذلـك
وارتـفـعـتْ شـهقـاتٌ مـن غـربِ وشـرقِ الـمجـلـسِ مـنـكـرةً
يَـرتـَكـبُ الـكـُفـر الأمَـمي
يُـخَـوزقُ أعـرافَ الـطـبقـات الـمَـرمـوقـَة
يَـرفعُ خِـصيـةَ ثـَورٍ
يَـهـزأ قُـدام سُـطـور الـسـَّادةِ
والـحـرمِ الجـمهـوري
ويَـشـتـُم تـَكـْيتـنا
قـالوا يـُقـتـلُ .. يـُنـفى
يـُقـتـل؟ لا تـكـفـي هـذه
لا بـد يـُشـوه بعـد الـقـَتـل ثـَلاثـة مَـرات
آهٍ ... صـرخَ الـوزراءُ الـفـأريـونَ
يـدوسُ عـلى ذيـلِ وزيرِ الـنـفـطِ
يُـقـالُ...وزيـرُ الـنفـط لـه ذيل
يـُخـفـيـه بكـيـسٍ أمْـريـكي
ويـصـوتُ ضـدَّ الإرهـاب بـه
مـولانـا...
يَـزعـم أن شـيوخَ أبـو طـبي
والـبَحـريـن ورأسِ الـخـيـمةِ
يـُخـفـونَ ذيـولاً أرفـَعَ مـِن ذَيـلِ الـفـَأرِ
وحـيـنَ يـَخـرونَ سُـجـُوداً لـلـشـاهِ
تـَبـيـنُ قـَلـيلاً مـِن تحـتِ عـَباءتـِهـم
ويُـبـشـرُ بـالـخـازوق
أُخَـوزِقـُكـُمْ
يـا ديـدان أخَـوزقـُكـمْ
اسْـمـَعْ يـا والـي الـبصرةِ
قـال لـنـا يـا ديـدان
وقـال يـُخَـوزِقـُنا
خَـوزقْ .. خَـوزقْ...
صَـرخَ الـمَـصـنوعـون مـن الـجـوعِ
وقـامَ الـخـازوقُ الـباسـلُ
خَـوزقْ .. خـَوزقْ...
هـَاتـوا الملـكَ الـسِّـفـلِسَ
هـذا مَلـك يـَسْـتأنـِسُ بـالـخازوق
وذلـكَ حـزبٌ يَـتخـَوزقُ مُـختـاراً
لا إكـراهَ ولا بـطـيخَ
بـمحـضِ إرادتـِه
يـا سـيدُ .. فـاحـملْ سَـعفـَتـك الآن نـبياً
حـَركْ بـَيتَ العـَقـربِ تـَخـرجُ مُكـرهَـة
يـا حـاكـمـنا
صـاحَـتْ طَائـفـةُ الـخـُلـقـِـيـين
يـُوشـِّي الجـُمـلَ الـرَبانـيةَ فـي الـشِّـعـرِ بـِمُفـرَدَة
يـَخجَـل منـهـا الـمُـعـجَـم
مـاذا أعـمـل؟
إنَّ أشَـدَّ بـَذاءاتِ الـعـَالمِ يـَزدادُ تألـقـُها فـَوقَ لـِحاكـُم
وأضـافَ قـميءٌ عَـفـِن كـان يـُوصْـوصُ بـينَ الـقـَوم
وكـنـتَ تـُفـَرغُ شـُحـنتـَنا الـثـورية
يـا ابـنَ الـشـُّحـَن الـسـَّلـبية
بـَطاريـةُ حـزبـك فـارغـَةٌ مـاذا أعـمـل؟؟
والـتـَفـَتَ الآخـرُ لـَفـْتةَ مَـن فـاجـَأهُ الـحـيـضُ وقـالَ
تـفاهـمتَ معَ الـسـلـطةِ تـَشـتـُمها وتـُورطـُنا
إرْبـَأ أن تـَسـمـَعَ ... واسـتـَعـِذ الله
فـَمهـما قـيـلَ فـأنـتَ تـُعلـمُ مـِثـلَ نـَبي
سَـلمـَكَ الـمِفـتاحَ عـلى الـذمَّة بَحـارُ الـبَحـاريـن
وأعْـطـاكَ الـسَّـعـفَةَ
أعْـطـاكَ طَـريـقَ الـتـَّبانـَةِ
أعْـطـاكَ بـأنْ تـُصبـِحَ طِـفـلاً عـِـنـدَ الـحاجَـة لـِلـعـِبِ
وسَـيـفـاً حـيـنَ يـَجـِدُّ الـجَـدُّ
فـأيُّ الأشـيـاءِ رأيـت؟
وأيُّ الأشـيـاءِ تـرى؟
لـَسـتُ أرى غـيـرَ الـدفـةِ
هَـذا سَـفـَهٌ بـَحـري
إن مَـعـارفـكَ الآن لـَغـامـضةٌ جـداً
وحِـجـابُ الـجـُملةِ أعـْمـاك
ولـكن.. أيـنَ الـبَصْرة يـا مـولاي ؟
ومـا شـَـأنيَ بالـبحـرِ
إذا لا يـوصلـني الـبحـرُ إلـى الـبصرة
لا يـوصلـك الـبحـرُ إلـى الـبصرة
بـلْ يـوصلـُني
لا يـوصِلـك الـبحـرُ إلـى الـبَصْرة
بَـل يـوصِلـني الـبحـرُ إلـى الـبصرة
قـلـنا لا يُـوصلـكَ الـبَحـرُ إلـى الـبَصْرة
أحـمـلُ كـل الـبَحـْر
وأوصـلُ نفـسـي أو تـأتـي الـبصْرة
إنْ شـاءَ الله بـِحـكـْم الـعـِشـقِ وأوصلـها
فـإذا أخـركَ الـطـقـسُ فـَمـاذا بـعـد؟
طـَيـرَ الـوَعـد
تـعـالَ وصَـيحـَتـكَ الـمَـمْـزوجـَةَ بالـفـَجـْر
يـا نـبأ عـَن بـَحـار الـبحاريـن
ومـا صَـنعـتْ عـاصفـة الـجَـزر بـه فـي الـليـل
هـل ارتـابَ القـلـبُ الـمُدمـن؟
أم كـانَ بـه مـا يكـفـيهِ مِـن الـزادِ وعِـلـم الـبحـرِ
وهـَلْ نـسـيَ الـفـردوس الـمفـقـود
وعتاثـت عـَاصـفـةَ الإفـكِ بـأمـجـادِ طـفـولـته
أعـرفُ بـحـارَ الـبحاريـن
وهــيـهـاتَ يـفـارقُ صـدرَ سـفـينـته الـحربـية
رطـشَـهُ الـزَمـَنُ الـسـيءُ بـالـمـلحِ وزيـتِ أصـابـِعـِه
صَـارَ هـو الـلونُ الـمَألـوفُ
لـقـدْ زَعـَمـَتْ سُـفـُـنُ الأقـزامِ تـُرافـِقـُه
وانـكـفـأتْ حـيـنَ رأتـْه عـلى الـمَـوجـة
مـُحـتـفـلاً بـالـغَـضبِ الـكـَوني
ويَـسْـتـلـمُ الـبَـرقَ مِـن الله
وأرقـامَ جـمـيع الـهزات الأرضـية والـرَّعـد
كـان يَلـمُّ الأخـلـصَ مـِن بـحـارة تلـك الأيـامِ
ومَـن فـي الـجـزر وفـي الـجـزر الأقـصـى
قـرأوا الـسَّـنـوات الـمطـلـوبَـة لـلـمَـد
بـَحـار الـبَحـاريـن بـلا حـَد
والـسُّـفـنُ الإيـجَـار لـهـا حـَد
قـالَ وبَـينَ حَـواجِـبه نقـطـةُ حـِبر عَـالـمَـةٌ بـالأنـواءِ
كِـتـابُ الـبَحـْر كـِتـابٌ يـَتغـيـَّر يَـا أحـبـاب سَـفـيـنـتـنا
والـنـوتي الـفـائـقُ مَـن يَـتـنـبأ قـَبـل الـتـغـيـير
وأخـطـاءُ الـنـوتي الـفـائـقِ تـَعـني
أن الـنجـمَ الـقـطـبيَّ يـُغـيـرُ مـَوقـِعـَه
ورثَ الـنـوتـيـة هـذا الـعـِلـم الـمُـتـطامِـنَ جَـداً عـَن جَـدّ
ضَـربَـتْ إحـدى الـمَـوجَـات الـدّفـة
واضـطَـربَ الـمـيـزانُ قـلـيلاً
حـَدّق بـين الـحلـمِ وبـين الـيقـظة
هـذا لـيـلٌ قـَدَري
والـخـَشـَبُ الـمُـتـآكـلُ ضَـرَّسَ أنـيـابَ الأمْـواج
فـألـقـوا الـمِـرسـاةَ فـإنـي آنـسُ نـاراً
وأشـار بـإصـبـعـهِ الـمـتـضخـم
لـلـضـوء الـبـاهـت فـي آخـرة الأفـق
كـأن هـنالـك مـيـناء يـكـمنُ خـلـفَ الـكـون
وكانـت فـي الـمَـركـب ريـح الأصْـقـاعِ الـثـلـجـيةِ
تـَمـسـَحُ وجـهَ الـنـوتـيـة إلا مَـنْ آمَـن
رَبَّ الـنـوتـيـةِ
قـال الـواقِـفُ فـَوقَ الـمَـرقـَب
والـمـطـرُ الأبـيـضُ يـَغـسـلُ بـالـطـهـْرِ نـُبـوءَتـَه
رب الـنوتـيـة واحـمـلْ مـِصـبـاحـَك بـالـعـَشـْرة أرْواحٍ
إن طـَريـقَ الـمـيـنـاء مـُخـيـف
وطـريـقُ الـمـرأَبِ جِـدُّ خـَطـيـرٍ مُـنـْتـَصَـفَ الـلـيـل
وتـَكـثـُرُ فـيـه الأوجـارُ
ونـبـهَ بـحـارٌ أزمَـنَ فـيـه الـبـَحـر
وقـد نـبـَتـتْ مـُنـذُ زمـانِ الـردة
آثـار الـتعـذيـبِ عـلى فـَخـذيـه
خـُذْ سِـكـيـنـَكَ
لا نـأمـنُ هـذا الـسـَّاحـِل
وانـظـر أشـجـارَ دَم الأخـَويـن تـُخـبـرُ أخـْبـاراً فـاجـِعـَةً
فـَالظـلـمَـة فـاحـِشَـةٌ ولـقـد يـَنـقـلـبُ الـلـيـلُ بـرغـْم إرادتـنـا
ويـَهـوذا يـَكـمـُنُ فـي بَعـضِ الـنـاس بـِرغمِ دلالات الخـيـر
نعيـذك يا سـيـد مـركـبـنا
تـجـار الأخـلاق كـثـيـرون فـعجـل
نـزل الـسـيـد
غـاب وراء الـطـرقـات الـمشـبـوهـة يـبحـث عـن درب الـمـرأة
ذلـك لا بـدّ
فـي تلـك الـلـحظـات تـدفـقـت الأشـيـاء
ونـزدم الأخوين وعـلم ثوب النازل في الطرقات المشبوهة
مضطرا
أحد يقتل في هذي الليلة
أو احد ينفي في هذي الليلة
محتمل أن يحصل تغير ما كنا نتوقعه
وحسبنا كل حساب
إلا ان يكون الميناء هو القاتل
إلا ان يصعد هذا الميناء إلى المركب
يغري بعض البحارة ان يلقوا المرساة نهائيا
إلا ان يصبح بعض البحارة مما كنا نأمنهم مشتركين
اطفيء فانوس الخبرة
لا النجوم ولا القمر المعهود أضاء
فالزمر المنحطون تلاقى
تتوزع .. وتنقض وتخرج ثوبك
قلبك كان يحس برودة خنجرها
تلك مؤامرة كشفت
واسر أمين البحارة كانت نارا خادعة
ان كتاب البحر كتاب يتغير يا أحباب سفينتنا
اخرج أوراقا باهتة أكل الدهر عليها
وتفحص خارطتين معتقتين فضيعتاه
قال إله الليل تظنون ظنونا خاطئة
سفن الثورة تسطع مبحرة
فإذا وقفت يمتد إليها الميناء
أجاب السيد يا رب هو الماء
لقد دخل الماء سفينتنا
سفن المخلص لا تغرق بالماء
يقول الرب بل القلب إذا ارتاب بقدرته
والروح إذا تعبت
أرسل بحار البحارين فراسته
عجم البحر
قلب قرآن الله وإنجيل الله ورأس المال طويلا
فرأى الدب الأبيض والدب الأشقر والثعبان
وبعض البحارة متفقين على اللعب بلحيته
اقسم بالشعب وبالأيام الصعبة قاطبة
ليقاتلهم حتى يصل المركب ثانية
أو يهلك منتصرا
أبلى في الليل بلاء حسنا
قاوم عقدين وبضعة أيام موحشة
وأحس دوارا منذ شهور ينزف
والعمر تقدم بالمبحر
واختلط البر ...البحر... الغيم ... النجم ... الأم ... الليل
وألقى المتفقون القبض على قبضته
وأزبد من أزبد
أرعد من أرعد
واستحملت السلطة أنك سوف تطيع
واحضر في الليل صليبا ورفعت عليه
فما أحلاك أضفت إلى السكة فانوسا
اعرف أنك تبكي منفردا
أين البصرة يا رب...؟
صرخت ... أما وصلت؟
وسمعت ضجيجا وسخا طيلة تلك الليلة
كنت تعاني الموت
وكانوا يحتفلون
وقد سلبوا المركب والبوصلة الدرية
واعتقلوا البحارة
جاءوك صباحا بالصفقة ثانية
ثانية أنت من التعذيب بصقت عليهم
آذوك طويلا
منعوك ترى جسر الكرخ الخشبي
فما أتفههم
انزل في ظلمة قبو لا تأمن فيه العقرب صاحبها
أنعش بالمسك وقيل
نريد بك الخير فما لك لا تأمن
خذ ما شئت من الميناء
أعرنا المركب والبوصلة الدرية
نوصل أموال أبي العباس السفاح
فان أمير البصرة منتظر والجامعة العربية منتظرون
معاذ الله يكون الخصية في المركب
جميل يا سيد
يا سيف النظرات
جميل أنت .. بهي أنت ... عظيم أنت
وحين وقفت على الأرض بكل ثبات
وجميل أنت .. جميل حين بصقت على الصفقة
واستحليت ثباتك فازددت ثباتا .. ثبتك الله
منعوا صوتك ما أتفههم
زعموا أنك مجنون ... معتوه .. صوفي وشيوعي
كيف جميعا
ما أتفههم... ما أتفههم
حملوا الميناء وبيت المال ورايتك الحمراء
ودست الباذنجان كذلك
فكيف جميعا
قال الجرد ذو الشيب المصبوغ لإخفاء الصفقة
تبقى جسدا للبوم وللغربان ونبحر دونك
فاقبل قبل فوات الفرصة صفقتنا
شارك في الحل السلمي قليلا
أولاد القحبة كيف قليل
نصف لواط يعني
امتعضت روحك
كنت كمن يجبر أن يأكل فأرا
هاج البحر وكشرت الأهوال
وكادت ريح قادرة ان تقلب كل مفاهيم البحر
وصار الدولاب يدور عليهم
والدفة توشك ان تقلب من يمسك عصمتها
ارتبكوا وأحاق المكر بهم وأسروا
ألقوا المرساة نساوم هذا القذر المفزع ثانية
جهلوا مولاي مزاج البحر
وأما البوصلة الدرية فانطفأت ضاحكة
وقفوا بين يديك
وكان العرق القطري يوسخهم
قالوا بالوحدة
لكن زادوا القطرية ذيلا قبليا
ورأيت الزبد الأبيض يذبل فوق كواهلهم
. صعب الأمر عليك
تشوقت الى الوقفة فوق الدفة منفردا وحدك
يعلو الدولاب لعزم يديك
ووحدك تبحر في الليل وليس لديك صليب أو صنم
رايتك السعفة
والموج يقبل جأشك
فاقتربوا من قدميك وصاحوا والريح تغالبهم
بحار البحاران
لك الثلث من المركب
إن أوصلت حمولتنا
ويقول المالك
يبقيك ومن شئت من النوتي في خدمته أبدا
وتفردت بهم
أولاد الإفك يبيعونك نصف سفينة عمرك
ثم يمنون عليك بان تخدم سيدهم
ابصق ثانية
هذا والله مكان البصقة.. فابصق ..تبكي غضبا
يلعن كل مباغي البصرة في العصر الجمهوري الجائر
قد منعوك ترى جسر الكرخ الخشبي
وهذي السنوات التسع قد صهرتك من الحزن
وقالوا صوتك يخدش أخلاق الجمهورية
خافاك الله بقاؤك محض بقائك يفضحهم
ما ظل سوى حبل يتحلق حول خناقك
والقلب وراء ضباب البحر
يدخل كل الليل علمة عشق ووجود
فإذا احتد عليه الشوق سيشتعل
ولقد يفتك بالبحار أريج مبالغ
وأوار الحمى ينكث روحك . والريح
ومال المركب للهوة بعد الهوة
يا سيد فانشر روحك في الخشب الخائف
إن مزاج الكون سيعتدل